الضغوط المتوالية
الضغوط على النظام السوري في توالٍ مستمر، مجلس الأمن الدولي ومن خلفه الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا يستفيدون بذكاء من أخطاء قاتلة ارتكبها النظام بحق نفسه، لدرجة أن الكثيرين باتوا يعتقدون بأن الرئيس بشار الأسد لم يقرأ الواقع الجديد كما ينبغي، وهو بِöرهانه على الرئيس إميل لحود، ثم ظنه بأن مجلس الأمن لن يفلح في تبني قرار ضد بلاده، قاد سوريا نحو المجهول، فلا التمديد للرئيس اللبناني الحالي كان خيرا على سوريا ولبنان، ولا أصدقاء سوريا في مجلس الأمن حالوا دون صدور سلسلة قرارات دولية تغذت بوضوح من جريمة قتل الرئيس رفيق الحريري وتقرير لجنة القاضي الألماني ديتليف ميليس، فكانت القرارات 1559 ثم 1595 وأخيرا القرار 1636 وهو الأخطر بالنسبة لسوريا بعد تطبيقها الشق المتعلق فيها في القرار 1559.
الوضع الصعب
سوريا الآن في وضع لا تحسد عليه، الرئيس السوري في عزلة دولية لا يمكن إخفاؤها، والرؤية مشوشة وغير متفق عليها إزاء مواجهة الموقف، وزير الداخلية انتحر في ظروف غامضة، وستة أركان للنظام مطلوبون للاستجواب في بيروت، آصف شوكت أهمهم وهو يرفض أن يكون كبشا للفداء ويهدد بجر ماهر الأسد معه، فيما القرار 1636 سيف مسلط على رقبة النظام، والمهل الزمنية لم تعد مطاطة كفاية، ففي منتصف الشهر القادم ثمة تقرير جديد، ربما لا يحمل إعلانه أخبارا جيدة لسوريا.
في الداخل السوري صورة النظام اهتزت كما لم يحدث ذلك من قبل، الشارع السوري يعلم أن الولايات المتحدة تستغل التحقيق الدولي بشأن مقتل الحريري، وهو يرفض الضغوط الدولية على بلده، لكنه في الوقت عينه يحتبس أسئلة يخشى من إجاباتها عليه وعلى الوطن، لماذا انتحرغازي كنعان؟ ولماذا أسرته مشككة وغاضبة؟ ولماذا نفى عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي نفسيهما في فرنسا؟ وما سر تحركاتهما هناك؟ ولماذا يضغط النظام ماليا ومعنويا عليهما للعودة؟ وما حقيقة الأعمال التي يقوم بها رامي خلوف ابن خالة الرئيس السوري ووكيل أعماله في عدد من العواصم العربية والأروبية؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل الخلاف بين شقيق الرئيس ماهر الأسد وصهره آصف شوكت؟ وأي دور يلعبه رفعت الأسد بالموضوع؟ وما حقيقة اجتماعات المعارضة المحتضنة أميركيا مع صانعي القرار في البيت الأبيض؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون أركان النظام متورطين في قتل الرئيس الحريري؟! وما حقيقة وضع عدد من الضباط المشتبه بهم في الإقامة الجبرية، والاحتكاكات التي جرت بين حراسهم الشخصيين وعناصر الحرس الجمهوري؟!
كلفة المواجهة أقل من كلفة التنازل
الوضع السوري الصعب، اقتضت من النظام التعامل بإيجابية مع الأمر الواقع، هكذا نصح الكثير من القادة العرب الرئيس بشار الأسد، هم لهم مصلحة أيضا في أن لا يتدهور الواقع العربي إلى حال أسوأ من حالته الراهنة، ويكفيهم ما يجري في العراق، لذا فإن الرسالة المصرية والسعودية والقطرية واليمنية وغيرها، واضحة في ضرورة التجاوب مع المطالب الدولية، وجولة عمرو موسى الأخيرة على الرياض ودمشق والمنامة تصب في هذا الاتجاه أيضا.
في الداخل السوري، كلفة التنازل تبدو عالية جدا، فهي قد تطيح بأسرة الأسد نفسها، سيما إذا أوقف آصف شوكت صهر الرئيس، وماهر شقيقه، وبحسبة بسيطة عبّر عنها الرئيس بشار الأسد نفسه معتبرا أن "القرار بمواجهة الضغوط متخذ وحاسم ولا رجعة عنه،
والتنازلات التي يتحدثون عنها لا سقف لها ولا أفق، وبالتالي فإن كلفة الصمود هي اقل من كلفة التنازلات"، لكن ذلك لم يمنع النظام من التعامل بإيجابية شكلية مع القرارات الدولية، فجرى تشكيل لجنة تحقيق سورية بمقتل الحريري مع صلاحيات استثنائية، ترافقت مع مظاهرات منددة بالقرارات "الجائرة" لمجلس الأمن ولكن مع التعامل معها "كأمر واقع"، ثم جولات عربية تظهر مدى "وقوف الموقف العربي مع سوريا".. مطالبة بقمة عربية طارئة، فإذا لم يكن ذلك بالإمكان فليس أقل من قمة مصرية – سعودية - سورية يجري التحضير لها.. وتطمينات حكومية حول قوة سوريا واقتصادها ومدى الجهوزية لمواجهة كل الاحتمالات، وأخيرا كلمة هجومية للرئيس بشار الأسد خلافا للتوقعات والنصائح.
نصائح عربية
بعيدا عن المواقف المعلنة، فإن السعي السوري للتفاهم مع الإدارة الأميركية أكيد، وثمة جهود كبيرة يبذلها النظام السوري لتوضيح مواقفه والانطلاق منها للتفاوض مع الأميركيين، ولكن الجهد السوري يصطدم بتعنت أميركي غير مسبوق، وعلى خط الوساطة أكثر من دولة عربية على رأسها مصر والسعودية والأردن وقطر واليمن، لكن هذه الوساطات هي بنت الواقع العربي المترهل في النهاية، ولا يمكنها بحال من الأحوال أن تفرض شيئا على الأميركيين، وكل ما تستطيع فعله هو الحصول على وعد من الإدارة الأميركية بتغيير طريقة تعاطيها مع الملف السوري، مقابل التزام دمشق بجملة شروط!
في المعلومات أن الرئيس المصري حسني مبارك، وافق على تبني الموقف السوري بالكامل إذا قامت دمشق بتنفيذ عدة أمور هي:
- التعامل بإيجابية مع مطالب مجلس الأمن وتسهيل مهمة ميليس ولو اقتضى ذلك إجراء تحقيقات خارج سوريا مع أي مسؤول سوري مهما كان موقعه في النظام.
- استكمال التجاوب مع المطالب الأميركية بشأن الملف العراقي، من خلال إحكام السيطرة على الحدود وتسليم الأميركيين عددا من البعثيين الفارين من العراق إلى سوريا.
- إقفال مكاتب المنظمات الفلسطينية الموجودة في دمشق.
- المساعدة في تنفيذ ما تبقى من القرار 1559 ، وترسيم الحدود مع لبنان، وتبادل البعثات الدبلوماسية معه، والتعهد بعدم التدخل في شؤونه، وكشف مصير مئات اللبنانيين المعتقلين في سوريا .
- إجراء إصلاحات جدية في الوضع الداخلي السوري، تقوم على فتح مجال أكبر أمام التعددية السياسية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين يزيد عددهم عن 12000 سوري، بعضهم أمضى أعواما طويلة رهن الاعتقال.
النصائح العربية الأخرى ليست بعيدة عن هذه البنود، المستقاة أصلا من مطالب الإدارة الأميركية لدمشق منذ أن قدّمها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول للأسد شخصيا، وثمة عواصم عربية على رأسها الدوحة تذهب إلى أبعد من ذلك مطالبة الرئيس الأسد بإجراء تغييرات فورية في الحكومة، واعتماد لغة "مناسبة" في التعاطي مع مطالب المجتمع الدولي، و"التضحية" بأركان هامة في السلطة مقابل ضمان استمرار بقاء النظام.
الأمر لا يخلو من خطورة، والأسوأ تتوقعه القيادة السورية قبل غيرها، وقد أعلنه الرئيس بشار الأسد بنفسه في الرابع عشر من الشهر الجاري إذ قال: "إننا نتوقع حصارا اقتصاديا وحصارا دوليا ماليا وسياسيا، ولا نستبعد حتى قيام البعض بضربات عسكرية ضد أهداف رسمية او عسكرية في سوريا، ولكن لدينا تجربتنا في هذا المجال، وسبق لنا ان واجهنا حصارا وبأوضاع اكثر صعوبة".