عشرون عاما قضاها الدكتور عبد الوهاب المسيري وهو يدرس الصهيونية، حتى أخرج لنا الموسوعة المشهورة عن اليهود واليهودية والصهيونية، وقد نجح بتوفيق الله في هذا العمل الهام، حتى أصبحت الموسوعة من أهم المراجع والمصادر في هذا الموضوع، ومن الطبيعي أن يكتسب الدكتور المسيري خلال تلك السنوات خبرة كبيرة في التعامل مع هذا الملف، وخاصة فيما يتعلق بنظرتنا نحن العرب والمسلمون تجاه ما يعرف بالصهيونية، فهو الآن، وبعد هذا الجهد الجبّار والوقت الطويل، يخرج برؤية جديدة هدفها الأساسي بناء منهج جديد لدراسة الصهيونية، تساعد ( أي الرؤية ) كل مهتم بأن يقيس الأمور بمقاييس مختلفة، مقاييس يستطيع من خلالها الاستفادة من الماضي والحاضر، لبناء المستقبل، كما يستطيع من خلالها أيضا الاستفادة من السلبيات والثغرات عند الطرف الآخر، لبناء ايجابيات تتسم بالقوة والمتانة. في هذا المقال لن أتطرق إلى نقل هذه الرؤية وهذا المنهج، لأن الدكتور المسيري يباشر ذلك بنفسه من خلال لقاءاته وندواته ومقالاته، وهو في النهاية صاحب الأمر والأقدر عليه، لكنني أضع بين يدي القارىء كلمات من ذهب للدكتور المسيري، لو أُحسن فهمها والتعامل معها لتغيرت النظرة تماما في منهجنا لدراسة الصهيونية، وهذه الكلمات ليست نقلا بقدر ما هي فهم استوحيه من كلماته وهي ليست مفصلة، ولكنها قد تحفّز القارىء للرجوع إلى مقالات الدكتور المسيري وندواته للإحاطة بالموضوع بأكمله.
الخطاب التعبوي
ينقسم الخطاب العربي تجاه الصهيونية الى قسمين، الأول هو الخطاب التعبوي وهو الخطاب الموجه للجماهير لتعبئتها ضد الصهيونية، وهذا الخطاب هو الأكثر شيوعا واستخداما في الماضي والحاضر، وهو رغم أهميته إلا أنه لا يبني وعياً ولا يفسر ظواهراً بقدر ما يأجج المشاعر وبشكل مؤقت.
الخطاب التفسيري
النوع الثاني هو الخطاب التفسيري، وهو الخطاب الذي يعتمد على الإدراك والتفسير بعيدا عن التعبئة، وهو أيضا ينقسم الى نوعين، الأول خطاب تفسيري اختزالي، يعتمد على تفسير الظاهرة أو اختزالها بسبب واحد، والنوع الثاني الخطاب التفسيري المركب، وهو تفسير الظاهرة بأكثر من سبب ( مركب من الاسباب ) والحقيقة أن الخطاب المركب هو الخطاب المطلوب وخاصة في هذه المرحلة فهو القادر على توعية الناس وبالتالي ضمان استمرارية التفاعل.
الخريطة الإدراكية
يقول الدكتور المسيري في تعريفه للخريطة الإدراكية ( فلا يمكن لأي دارس أن يحيط بأبعاد أية ظاهرة إنسانية - سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية - إلا بالغوص في أكثر مستويات التحليل عمقاً، أي المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء، وهذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع وعناصره، وهذه هي الخريطة الإدراكية، التي تحدد ما يمكن أن يراه الإنسان في هذا الواقع الخام، فهي تستبعد وتهمش بعض التفاصيل فلا يراها، وتؤكد البعض الآخر بحيث يراها مهمة ومركزية ) بمعنى آخر الخريطة الادراكية هي صورة في ذهن الإنسان يتصور أنها تمثل الواقع، وللأسف نجد أن الخريطة الادراكية للمواطن العربي مليئة ومشبعة بالهزيمة، كما أنها تعاني بما يسمى التبعية الادراكية، وهي القبول بمصطلحات الاخر دون دراية ولا تحليل، وللعلاج يجب تغيير الخريطة الادراكية من ناحية، والبحث عن النموذج الادراكي للآخر ومحاولة تفسير الظواهر على هذا الأساس.
الموضوعية
في منهج الدراسة بشكل عام ودراسة الصهيونية بشكل خاص، يجب أن تتوفر الموضوعية، ولكن أي موضوعية، فهناك موضوعية متلقية تؤدّي إلى قتل الإبداع وعدم اكتشاف السلبيات للتجارب الأخرى، وهناك الموضوعية الاجتهادية القائمة على الإبداع والتحليل والتفسير، وهي الموضوعية المطلوبة.
هناك فرق
هناك فرق بين الحقائق والحقيقة فالحقائق موجودة وكثيرة، لكن الحقيقة هي نتاج عقل إبداعي انساني. وهناك فرق بين البحث والمعلوماتية فالمعلوماتية تراكم وحشر وترتيب، أما البحث فهو تقديم تفسير للظاهرة.
محمد مفيد الخالد
mofeedkd@yahoo.com