ما يجري في العراق فتنة مذهبية بامتياز، وحرب أهلية بلا جدال، ففي كل يوم تصل إلى المشرحة في بغداد جثث كثيرة مربوطة الأيدي، ومعصوبة العينين، ومشوهة بشكل مقزز، وتحمل طلقاً نارياً في الرأس.
القتل يجري على خلفية مذهبية، السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية تتنقل بين الأحياء العراقية على نفس الخلفية، أما تصوير أفلام القتل غير التمثيلية فيتداولها الناس، وربما لن يكون آخرها فيلم قتل الصحافية العراقية أطوار بهجت بعدما سلّمه "أحدهم" إلى صحيفة صنداي تايمز الأميركية زاعماً أنه وجده مع أحد قتلى عناصر جماعة بدر المثيرة للجدل.
عمليات التطهير المذهبي تخلق واقع التقسيم على الأرض من الآن وحتى إعلانه، الشرطة التي يفترض أنها تحمي المواطنين باتت هي أيضاً طرفاً في النزاع، الميليشيات والمتطرفون و"فرق الموت" -التي تنفذ جرائمها بالزي الرسمي- كلهم شركاء في مواسم القتل المذهبي الذي لم يحترم حتى دور العبادة، التي بات القتل داخلها هدفاً بحد ذاته. الجيش هو الآخر مفروز مذهبياً وإثنياً وقد جرى اقتتال بين وحداته في الضلوعية قبل أيام، ما اضطر الأميركيين للتدخل. بغداد باتت "بقعة قتل"، لكن الاخطر أن هذه "البقعة" آخذة في التوسع إلى خارج حدود العراق.
التفكير على وقع الفتنة
في هذه الأجواء، وتحديداً بعد الأحداث المؤسفة في سامراء وما تبعها من انتقام لم يراع حرمة المساجد، فكرت مجموعة من الشباب السنّة المتدينين، "بما يتوجب عليهم فعله في حال انتقلت الفتنة المذهبية إلى لبنان"، وقد تزامن ذلك مع تحليل منشور في إحدى المجلات اللبنانية يزعم وجود خطة لدى حزب الله لفرض سيطرته العسكرية على بيروت في حال حدوث انقسامات سياسية أو طائفية، غير أن الملفت في الأمر أن أفراد هذه المجموعة ليسوا ممن يصنفون في خانة الإرهاب في العادة، ولا تربطهم أية صلة بالقاعدة أو بالجماعات القريبة منها، وهم ينتمون -فكرياً على الأقل- بِ "أهل الدعوة" الذين لم يعرف عنهم أي اشتغال بالشأن العام أو السياسة، فضلاً عن القضايا الجهادية، وعلى عكس ما أشيع فالمجموعة لم تتلق تدريبات خارج لبنان، ولم تنشأ أصلاً لهذه الغاية، إلا أن تأثر المدعو غسان شهاب الصليبي، بالأحداث في العراق عقب أحداث سامراء المؤسفة، جعله ينحو نحو التفكير بهذا الاتجاه، حيث نقل فكرته إلى إبنه وشقيقه ونسيبه وعدد من إخوانه، وقد اجتمعوا على تكليف أحدهم بمراقبة تحركات السيد حسن نصر الله والطرقات التي تسلكها مواكبه، من خلال العمل في قيادة سيارة أجرة في منطقة حارة حريك حيث يقع مقر الأمانة العامة للحزب، لكن الرجل أبلغهم لاحقاً أن مهمته أصعب من أن ينجح في تنفيذها، فاقترح أحدهم استئجار محل قريب في المربع الأمني في الضاحية الجنوبية لنفس السبب، لكن تبين صعوبة هذا الأمر أيضاً.
الإيقاع بالمجموعة
على الرغم من فشل المراقبة إلا أن المجموعة اشترت أسلحة حربية لاستعمالها "فيما لو نشأ نزاع سني- شيعي"، وقد جرى تخزين هذه الأسلحة في أحد المحال الصناعية في منطقة قصقص في بيروت، وهي عبارة عن صاروخي «لاو» وقذائف «آر بي جي» و15بندقية وبضعة مسدسات، ويبدو أن تحركات المجموعة قد أثارت الشك، ما أدى إلى وضع أفرادها تحت مجهر مديرية المخابرات في الجيش اللبناني- ومن غير المستبعد أن تكون عناصر مخابرات حزب الله قد قامت بدور هام في عملية الاكتشاف من البداية-، وفور إلقاء القبض على رأس المجموعة، بات أفرادها جميعاً في قبضة مخابرات الجيش، فيما لا يزال ستة مرتبطون ببيع السلاح متوارين عن الأنظار.
الموقوفون التسعة خضعوا لتحقيق دقيق لدى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وقد جرى تحويلهم لاحقاً مع اعترافاتهم والمضبوطات على النيابة العامة العسكرية حيث جرى الادعاء عليهم بمواد من قانون العقوبات وقانوني الإرهاب والأسلحة، ثم جرت إحالتهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر لإجراء المقتضى القانوني المناسب بحقهم.
لم يعرف عن أفراد هذه المجموعة الكتمان أو التمرس في العمل الأمني، ووفق مصادر قريبة من التحقيق فإنهم "لم يحددوا موعداً لتنفيذ أية عملية اغتيال" كما أشيع، وأنهم "لا يزالون في مرحلة التفكير والتحضير"، وأن "ما نشر عنهم مضخم"، لكن ذلك لا ينفي خطورة المقاصد التي أراد هؤلاء تحقيقها.
مواجهة الموقف
في العراق لا يزال الكثيرون يحاذرون الحديث عن فتنة مذهبية، وفي لبنان ثمة من ينفي إمكانية انتقالها، لكن الصحيح أنها موجودة في العراق وقابلة للانتقال إلى أي بلد عربي أو إسلامي، ولبنان واحد منها، وبدل دس الرأس في الرمال، وإغفال الحقائق المدعومة بالقرائن، يجدر العمل على تمتين الوحدة الداخلية التي تبدو هشة بما يسمح باستنبات أفكار وجماعات تحمل أفكاراً متطرفة، سواء بررت أفكارها وأفعالها بدواع دفاعية أو غير ذلك.
للأسف الشديد فإن منحنى العنف الطائفي والمذهبي في المنطقة في تصاعد، وقد ذقنا في لبنان ويلاته بما يكفي لكي نتصدى لشبح عودته، وهي على كل حال مسؤولية تقع على الجميع، وتحديداً تقع على عاتق رجال الدين والسياسة، وذلك حتى لا يصدم الرأي العام اللبناني مرة جديدة بأخبار من الصنف الذي سردناه في هذا المقال.