جف قلمى، وزاغت عينى، وحار عقلى، ويبست يدى، ولا أدرى لماذا أكتب، وما الفائدة مما أكتب.
أسمع آنين المعذبين، وآهات الأرامل المكلومين، وصرخات المرضى المساكين، وبكاء الأطفال التائهين، ودعاء الشرفاء على الظالمين، لقد أقلقت مضجعى وأرقت منامى هذه الصرخات المكلومة .... حتى متى؟ حتى متى؟ .. سيظل حالك هكذا ياوطنى؟.
هل ضاعت بلدى؟ هل بيع وطنى ؟...أم ماذا حدث ؟
كتب كبار الكتاب والمفكرين، وسطر عظام المثقفين عن حال بلدى ووضع وطنى وعن كيفية الإصلاح، لكن لا فائدة من الكتابة ولا جدوى من محاولات الإصلاح لأنه لا يسمع لهذا الكلام أحد، المسئولون فى واد والشعب فى واد آخر والوطن فى ضياع وانهيار كل يوم يزداد الحال سوء ... فما السبيل؟
لا أدرى كيف يكون المسئول مسئولا، وبم يكون مسئولا، هل لكونه أسند اليه منصب عال؟ .. أم لكونه قريبا من السلطان ؟
أعلم ويعلم الجميع أن المسئول من كان مسئولا عن أحد فأحسن إليه ورعاه ووفر له كل حاجاته ومتطلباته، أما المسئول فيك ياوطنى فهو من جلس فى مكتب فاخر وأصدر أوامر سطرت على الأوراق وحفظت فى الأدراج ... والشعب منتظر الفرج.
حتى متى ياوطنى ستظل آهات الثكالى التى فقدت أكبادها حرقا وغرقا وحبسا ، قطاراتك ياوطنى حرقت، وعباراتك بالمساكين غرقت، ومسارحك بالنار قد أكلت، ومستشفياتك بالأمراض وطنت، وسجونك بزهور الشباب قد ملئت.
هل من مجيب؟ .. كاد القلب يتوقف، وكاد الضغط يرتفع، وكاد اليأس يقتلنى ... حتى متى ستظل هكذا ياوطنى؟
ألف من زهرة شبابك غرقوا، ومئات من رجالك ونساءك وأطفالك فى القطارات والمستشفيات حرقوا، حتى إنفلونزا الطيور تركت موطنها الأصلى وحامت حول العالم وزارت كل الأوطان فلم تتوطن إلا فيك ياوطنى، ما السبب؟ .. ولماذا أنت ياوطنى؟ هل حقا عم الفساد أرجاءك؟ هل حقا أصبحت بلا مسئولين عنك؟
نادينا .. وصرخنا .. وتألمنا لكن لا من مجيب .. إلى متى .. هل سيدركنا الموت وأنت على ذلك ياوطنى .. لا رخاء .. لا إصلاح، حروب داخلية على المناصب، معارك على الكراسى، تعبت ياوطنى، فدمك أصبح ملوث، وعرضك أصبح مهان، وأبناءك يعيشون أذلاء، والعدو قابع متربص بك شرا.
وطنى .. حتى علمائك ومشايخك يحاربون الإلتزام فيك، فكل شيخ مسئول أصبح يتهم كل من يتحدث فى الدين بأن ذلك ليس من الإسلام، وأن من يتحدث فى شئون الدولة والسياسة بأن ذلك ليس من الإسلام، وأن من ينشأ المصانع ويفتتح المشروعات بأنه يتاجر فى العملة ويقوم بغسيل الأموال.
الشرفاء فيك ياوطنى أصبحوا مذنبين، والفاسدون أصبحوا هم ممن يحكمون.
نهبت خيراتك، سرقتك ثرواتك، عم الفساد فى جنباتك، ولم يترك ركن من أركانك إلا وتغلغل فيه.
يامسئولون أين أموال وطنى؟.. أين ثرواته؟، أين خيراته؟، أين الملايين والمليارات التى هربت؟، أين الإستثمارات التى نزحت؟، أين الأموال التى صودرت؟، أين هدى عبد المنعم؟ أين علية العيوطى؟ أين الحباك؟ أين ممدوح اسماعيل ليشهد الذكرى الأولى لغرق عبارته؟ كلهم خرجوا ومن صالة كبار الزوار.
لماذا تصادر أموال الشرفاء؟ ولماذا اتهموا فيك بغسيل الأموال؟ عندما حل عبد الرحمن بن عوف المدينة وكان طريدا فقيرا قال لسعد بن الربيع:" بارك الله فى أهلك ومالك دلنى على السوق " وعندما حل به الموت كانت ثروته تقطع بالفؤوس لعظمها، لماذا لم يتهمه المسلمون بغسيل الأموال، أو من أين لك هذا.
ياوطنى من عمل وجد وعلى أصبح فيك مزور ، ومن نهب وسرق وهرب أصبح فيك مسئول .. فى عدل من ذلك؟
حقا ياوطنى سيظل الشرفاء فيك خلف القضبان، لأنه لا يجتمع شريف ومفسد فى مكان، سيظل حالك هكذا ياوطنى حتى ينتفض أبناءك، فينبذوا المفسدين، ويطردوا السارقين، ويعتلى عرشك المصلحون، متى سأرى خيرك ياوطنى؟ .. ومتى سأنعم بنقاء هوائك؟
هل يأس الكتاب من كتباتهم؟ .. هل هزم المصلحون فى معركتهم؟ لا .. لا وألف لا .. لن يتطرق اليأس إلى نفسى ولن يتطرق اليأس إلى نفس كل من أحبك ياوطنى وعمل من أجل إصلاحك، لا .. لن تهزم نفسنا، ولا لن ندفن رؤسنا فى الرمال لأن رب الكون ناصرنا ورب الكون حامينا وسيمحق المفسدين من بيننا وتعيش عزيز ياوطنى.
ياأهلى .. ياوطنى .. شىء من الغضب.ويومها سيعم الخير فيك ياوطنى
" وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمöنُونَ (4) بöنَصْرö اللَّهö يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزöيزُ الرَّحöيمُ (5) وَعْدَ اللَّهö لا يُخْلöفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ (6).
عبده مصطفى دسوقى
باحث فى التاريخ الحديث – جامعة القاهرة
Abdodsoky1975@hotmail.com