أيها الإخوان المسلمون: أشعر بما تشعرون وأحس بنبض قلوبكم المكلومة، من جراء المحن والإبتلاءات التى نزلت بنا، ومن إضطهاد النظام لنا، وإن كان هذا ليس بجديد على أصحاب الدعوات، فاعتقال إخواننا الطلبة، واعتقال رجال هم من خيرة رجالنا ومصادرة أموالهم ثم تحويلهم للمحاكمات العسكرية بعد أن برأهم القضاء المصرى من كل التهم- نهيكم عن قوائم الأسماء المعدة للإعتقال- كل هذا يوجهه لنا النظام – وفى هذا التوقيت خاصة- ليشغلنا بالجزيئات عن الكليات، واستنزاف طاقتنا فى ردود الأفعال حتى ننشغل عما يريد فعله فى التعديلات الدستورية، وعدم تفكيرنا فى انتخابات مجلس الشورى والمشاركة فيها، ولأن أمريكا تخلت عن المطالبة بتطبيق الديمقراطية فى دول الشرق الأوسط لأنها وجدت أنها أتت بالإسلاميين ففلسطين جاءت بحكومة حماس وفى مصر حصل الإخوان المسلمين فيها على 88 مقعد فى البرلمان وفى الكويت والبحرين فاز التيار الإسلامى وغيرهم، ومن ثم أعطت الضوء الأخضر لحكام البلاد فى الشرق الأوسط عن التخلى عن الديمقراطية والعودة لسياسيتهم القديمة التعسفية للحد من زيادة نفوز التيار الإسلامى.
وكأن الكرة تعيد نفسها للضربات التى وجهت للجماعة عام 1995م عندما أعلن الإخوان دخول مجلس الشعب، والإعلان عن تشكيل حزب الوسط، وأعجب من هذا العجاب العجيب أن يكون من ضمن المحاليين الى المحاكمات العسكرية إخوة لنا خارج مصر منذ سنين طويله أمثال الأستاذ يوسف ندا الموجود بسويسرا منذ آواخر الستينات، والدكتور توفيق الواعى الموجود بالكويت، والأغرب من ذلك تحويل إخوة ليس مصريين مثل الأخ علي همت غالب السورى.
لكن أيها الأحباب فهذا دأب أصحاب الدعوات الصادقة، فرسولكم(ص) حوصر فى شعب أبى طالب ثلاث سنوات، وصهيب الرومى فقد كل ماله مرضاة لله ونصرة لدين الله "ربح البيع أبا يحيى".
فبعد أن أنعم الله علينا بالخير الكثير والنعم العظيمة فى أعقاب انتخابات مجلس الشعب 2005م ودخل الصف أناس كثيرون، وفهم المجتمع دعوتنا، ولمس أثرنا العملى، انشغلنا نحن بعض الشىء بالعمل العام والعمل السياسى على حساب تزكية قلوبنا، وتربية نفوسنا، وأفرادنا فذكرنا الله بذلك" لöكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بöمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحöبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ"{سورة الحديد}.
فشكرا لمبارك أن أعطانا الفرصة لنزداد قربا الى الله.
فشكرا لمبارك أن أعطانا الفرصة لنتمسك بتعاليم ديننا الحنيف وقرآننا المجيد.
فشكرا لمبارك أن أعطانا الفرصة لنربى أفرادنا تربية إسلامية شاملة صحيحة.
فشكرا لمبارك أن أعطانا الفرصة أن نوجد فينا جيل يحب دعوته ويرضى بقضاء ربه دون ذلة أو إنكسار.
أيها الأحباب فليراجع كل منا نفسه، فننصب أقدامنا لله خمس مرات فى صلوات الجماعة لا تشغلنا عنها شىء مهما تكن الظروف، ولنحافظ على أوردنا من القرآن قراءة وحفظا وعملا، ولنحافظ على أعمالنا ولنوطد العلاقة بيننا بالتزاور والسؤال، ولنوطد العلاقة بيننا وبين مجتمعنا ونعرفه بما ينفع الوطن وما يضره، ولنجدد الثقة في مرشدنا وقادتنا، ولنتميز في مجالاتنا الحياتية.
ولنتذكر دائمًا قول الإمام جعفر الصادق "عجبت لمكروب كيف يغفل عن أربع:
· عجبت لمن أصابه غم كيف يغفل عن قول: (لا إöلَهَ إöلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إöنّöي كُنْتُ مöنَ الظَّالöمöينَ) [الأنبياء: 87]، فقد أتبعها الله بقوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مöنَ الْغَمّö وَكَذَلöكَ نُنْجöي الْمُؤْمöنöينَ) [الأنبياء: 88].
· عجبت لمن جمع له الناس كيف يغفل عن قول: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنöعْمَ الْوَكöيلُ) [آل عمران: 173]، فقد أتبعها الله بقوله: (فَانْقَلَبُوا بöنöعْمَةٍ مöنَ اللَّهö وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءñ وَاتَّبَعُوا رöضْوَانَ اللَّهö وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظöيمٍ) [آل عمران: 174].
· عجبت لمن كاده الناس كيف يغفل عن قول: (وَأُفَوّöضُ أَمْرöي إöلَى اللَّهö إöنَّ اللَّهَ بَصöيرñ بöالْعöبَادö) [غافر: 44]، فقد أتبعها الله بقوله: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيّöئَاتö مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بöآلö فöرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابö) [غافر: 45].
· عجبت لمن أصابه ضر كيف يغفل عن قول: (أَنّöي مَسَّنöيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحöمöينَ) [الأنبياء: 83]، فقد أعقبها الله بقوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بöهö مöنْ ضُرٍّ) [الأنبياء: 84].
فلنلجأ إلى الله بالدعاء أن يفرج عنا وعن إخواننا الكرب.
أيها الأحباب. فلنتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أشد وقت الضيق كان يبشر بوعد الله بالنصر، ففي الهجرة عندما تبعه سراقة ولحق به، وغاص فرسه في الرمال، قال صلى الله عليه وسلم ارجع يا سراقة ولك سواري كسرى.
وفي غزوة الأحزاب وصفها الله عز وجل بقوله: (إöذْ جَاءُوكُمْ مöنْ فَوْقöكُمْ وَمöنْ أَسْفَلَ مöنْكُمْ وَإöذْ زَاغَتö الأبْصَارُ وَبَلَغَتö الْقُلُوبُ الْحَنَاجöرَ وَتَظُنُّونَ بöاللَّهö الظُّنُونَا * هُنَالöكَ ابْتُلöيَ الْمُؤْمöنُونَ وَزُلْزöلُوا زöلْزَالا شَدöيدًا) [الأحزاب: 10، 11] ففرج عنهم الله الكرب، وهزم الأحزاب (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذöينَ كَفَرُوا بöغَيْظöهöمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمöنöينَ الْقöتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوöيًّا عَزöيزًا) [الأحزاب: 25].
وقد قال إمامنا الإمام الشهيد حسن البنا: "وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم فى سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف فى وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل فى طريقكم .... وستدخلون بذلك -ولا شك- فى دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: {أَحَسöبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت: 2]. ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين: {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تöجَارَةٍ تُنْجöيكُمْ مöنْ عَذَابٍ أَلöيمٍ}[الصف].
فتذكروا ذلك وتمسكوا بدعوتكم، وجددوا الثقة في قادتكم فإنهم لن يأخذوا قرارًا في غير مصلحة الدعوة. وتذكروا وعد الله لأصحاب الدعوات (وَعَدَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا مöنْكُمْ وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö لَيَسْتَخْلöفَنَّهُمْ فöي الأرْضö كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذöينَ مöنْ قَبْلöهöمْ وَلَيُمَكّöنَنَّ لَهُمْ دöينَهُمُ الَّذöي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّöلَنَّهُمْ مöنْ بَعْدö خَوْفöهöمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنöي لا يُشْرöكُونَ بöي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلöكَ فَأُولَئöكَ هُمُ الْفَاسöقُونَ) [النور: 55].
واعلموا أن إخوانكم أعز وأكرم من عزام عزام الجاسوس الإسرائيلي الذى لم يحاكم أمام محكمة عسكرية ثم أفرج عنه وقد أثبتت تهمة التجسس عليه، أو ممدوح إسماعيل الذي قتل ألف نفس ويحاكم أمام محكمة جنح، فإن إخوانكم سجنوا وصودرت أموالهم لأنهم يقولون ربنا الله.
وأقول لمبارك: (أَلَمْ يَأْنö لöلَّذöينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لöذöكْرö اللَّهö وَمَا نَزَلَ مöنَ الْحَقّö وَلا يَكُونُوا كَالَّذöينَ أُوتُوا الْكöتَابَ مöنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهöمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثöيرñ مöنْهُمْ فَاسöقُونَ) [الحديد: 16].
وأذكر أتباع السلطة بقوله تعالى: (إöذْ تَبَرَّأَ الَّذöينَ اتُّبöعُوا مöنَ الَّذöينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بöهöمُ الأَسْبَابُ
(167) وَقَالَ الَّذöينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مöنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مöنَّا كَذَلöكَ يُرöيهöمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهöمْ وَمَا هُم بöخَارöجöينَ مöنَ النَّارö) [البقرة].
ويقول الشاعر أحمد مطر:
قطوا الزهرة..
قالت:من ورائي برعم سوف يثور.
قطعوا البرعم..
قالت:غيره ينبض في رحم الجذور.
قلعوا الجذر من التربة..
قالت:إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور.
كامن ثأري بأعماق الثرى
وغداً سوف يرى كل الورى
كيف تأتي صرخة الميلاد
من صمت القبور.
تبرد الشمس.. ولا تبرد ثارات الزهور!
عبده مصطفى دسوقى
باحث فى التاريخ الحديث – جامعة القاهرة
Abdodsoky1975@hotmail.com