دار سجال فكري وصحفي كبير عقب دعوة الدكتور عبد الله النفيسي للإخوان المسلمين بحل التنظيمº لأنه – كما يرى – صار عبئًا على الحالة الإسلامية، وقد أحدثت هذه الدعوة زخمًا فكريًّا كان خليقًا بإثارة الكثيرين للكتابة عنه ما بين مؤيد من خارج الجماعةº منهم مَن يتفق في وجهة النظر مع صاحب الدعوة، ومنهم مَن أيَّد الدعوة بُغضًا في الجماعة – كما ظهر ذلك واضحًا في تعليقاتهم، وما بين رافضين للدعوة، وهم من الإخوان غالبًا، ولكن تراوحت آراؤهم بين العقلانية، وبين الحماسة والاندفاع المدفوعَيْن بالتعصب، ورفض مناقشة الفكرة من أساسها، أو مندفعين نحو اتهام صاحب الدعوة ومَن أيده بالتآمر أو ما شابه من الاتهامات التي شاعت في حياتنا الفكرية.
والآن وقد خفت الضجيج وهدأ الغبار أحببتُ أن أُدلöيَ بدلوي في بئر هذه القضية بصفتي أشرُف بالانتماء لحركة الإخوان المسلمين منذ سنوات طويلةº محاولاً أن تكون نظرتي منصفة، متحرية للحق بعيدًا عن العصبية والغوغائية.
بدايةً أقول: إن هناك عددًا من الثوابت لابد أن نقرها ونتفق عليها في بداية مناقشة هذه القضية، وهذه الثوابت هي - فيما أرى - :
أولاً: أن ما طالب به الدكتور النفيسي ليس جريمةً، بل هو رأيه الذي يجب أن نحترمه وإن اختلفنا معه، فليس كل مخالفٍ في الرأي خائنًا، وإلا صرنا كالأنظمة الحاكمة في بلاد العالم العربي التي تعتبر معارضتها خيانة تستوجب الاعتقال والسجن والتشريد والمحاكم العسكريº حيث إنها هي وحدها – في نظرها – التي تمثل الحق.
ثانيًا: أن التنظيم وسيلة من وسائل العمل الإسلامي، وليس غاية في حد ذاته، وإنما يُراد به تحقيق الأهداف المطلوبة من تربية الأفراد، والتعاون على نشر الدعوة، وتكاتف القوى والكفاءات من أجل تحقيق الأهداف، وترسيخ الأخوة وصولاً لإقامة شرع الله في الأرض.، ومن ثَمَّ فالتنظيم ليس غايةً في حد ذاته.
ثالثًا: أن التنظيم – كشأن أية وسيلة أخرى- له مزايا يجنيها المنتظمون فيه، كما أن له عيوبًا ينبغي معالجتها والتخلص منها أو – على أقل تقدير – التقليل من آثارها.
رابعًا: أن الدعوة إلى حل تنظيم ما لابد أن تستند على أسباب وجيهةº كعدم قيامه بواجباته، أو تشكيله عائقًا أمام تحقيق الهدف بدلاً من كونه وسيلةً لتحقيقه، كما يجب أن يكون في الوقت المناسب الذي لا يؤدي إلى وأد الفكرة نفسها وليس التنظيم.
وبناءً على هذه الأسس فإنني أبدا في سرد مزايا التنظيم وعيوبه - ليس بصورةٍ نظرية، ولكن بصورة واقعية - بناءً على ما أراه في صفوف جماعتنا.
فمن مزايا التنظيم في الجماعة:
أولاً: يحقق التنظيم قدرًا من التواصل يسمح بتحقيق الأخوة بدرجةٍ ماº مما يتيح تعاون الإخوة في شؤون حياتهم الشخصية.
ثانيًا: يوفر التنظيم الزاد الفكري الذي يسهم بشكل فعال في بناء أرضية ثقافية فكرية إسلامية متشابهة، هي بالتجربة من أعلى المستويات الثقافية بين طبقات المجتمع، بل بين أجنحة الحركة الإسلامية المتنوعة.
ثالثًا: يحد التنظيم من إمكانية الانفلات الفكري بتبني أفكار مخالفة للإسلام والوسطية كأفكار التكفير مثلاً.
رابعًا: يعطي التنظيم قدرةً على توحيد الجهود من أجل تحقيق الأهداف المرحليةº كالمشاركة في الانتخابات التي لا يتسنى الفوز فيها - بداهةً – دون تنظيم قوي، وحشد للقوى، وتمويل من جيوب الأفراد، وقد ظهر ذلك في الانتخابات النقابية والنيابية بشكل واضح.
خامسًا: يضاعف التنظيم من القدرة على العمل المجتمعي، وتلبية احتياجات المجتمع، وقد اتضح هذا في كثيرٍ من الأحداث كزلزال عام 1992م في مصر – مثلاً – ومن خلال الجمعيات الأهلية التي يقودها الإخوان في بلاد العالم العربي والإسلامي.
سادسًا: يعطي وجود التنظيم إمكانية توريث مباديء الجماعة وفهمها للإسلام، وتاريخها للأعضاء الجددº الأمر الذي لايُتاح في العمل العام.
سابعًا: قوة التنظيم تيسر – بإذن الله – من إمكانية تحقيق الأهداف الكبرى كإقامة شرع الله عزَّ وجلَّº حيث لا يُتَصوَّر تحقيق ذلك بالجهود الفردية التي قد تتضارب في بعض الأحيان، أو في كثيرٍ منها للأسف.
ثامنًا: يعطي التنظيم – بإذن الله – قوة على مواجهة بطش الحكومات والاستمرار في الطريق رغم كل الضربات، وهذا ما بدا خلال مسيرة هذه الجماعة المباركة طوال ما يقرب من ثمانين سنةº حيث استعصت – بفضل الله – على الاستئصال، رغم تكالب الغرب والشرق مع الأنظمة العميلة عليها.
أما عن عيوب التنظيم – وليس شيءñ يخلو من العيوب – وينبغي على جميع الإخوان – وخاصةً القيادات - تدارك تلك العيوبº فمنها:
أولاً: أن تصبح علاقات الأخوة روتينًا يتم في إطار الأُسرö الإخوانية والجلسات، وتصبح تلك العلاقات مرتبطة بالأعمال الدعوية والتنظيمية فحسب دون تواصلٍ في واقع الحياة، وهذا ما يحدث بدرجةٍ كبيرة نتيجة ضغوط الحياة الاقتصادية.
ثانيًا: وجود البيروقراطية - أحيانًا - نتيجة الهرمية في اتخاذ القرارº مما يتطلب بث المرونة في مفاصل التنظيم.
ثالثًا: انتشار السلبية بين أفراد التنظيم انتظارًا للتعليمات الصادرة من المستوى الإداري الأعلى.
رابعًا: انتشار التعصب للتنظيم بين بعض الأفراد، واعتبارهم له غاية، وبناؤهم لعقد الولاء والبراء على أساس الانضمام للتنظيم، وهذا من الجهل والتعصب المذموم الذي ينبغي أن يُقاوَم ويُقوَّمº حيث يُعقَد الولاء والبراء على أساس الإسلام، وطاعة الله – عزَّ وجلَّ - .
وبناءً على ما ذكرتُ من مزايا وعيوبٍ، فإنني أرى أن مزايا تنظيم الإخوان كثيرة، وعيوبه أقل، ويمكن – بإذن الله – تداركُها - حيث لا يخلو أحدñ من العيوب كما ذكرتُ - كما أن من طبيعة بنية التنظيمات وجود أمثال هذه العيوب التي لاتعني أبدًا ضرورة حل التنظيم إلا عندما يهملها الأفراد والقادة حتى تستفحل، ويستحيل علاجها.
كما أن تجارب الحركات الإسلامية التي قامت على نبذ التنظيم، وإقرار العمل العام كجبهة الإنقاذ الجزائرية، والجبهة الإسلامية في السودان قد أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك ضعف بنية هذه الحركات التي اتخذت صيغة التياراتº مما أدى لسهولة اختراقها، كما أنها انتهت باعتقال قادتها، وانحرفت البوصلة لدى مَن بعدهم.
كما أنني أرى – أيضًا – أن الوقت الذي طُرöحت فيه الفكرة غريبñº حيث إن الهجمة الغربية الشرقية على الإسلام، وهجمة النظم العربية على الحريات عامةً، وعلى الجماعات الإسلامية خاصةً كانت تستوجب من مفكرنا الكبير دكتور عبد الله النفيسي دعوةً مغايرةً بتوحيد الجهود، وتماسك الحركات الإسلامية لتستطيع مواجهة تللك الهجمة الشرسة.
إسلام عبد التواب
Islam777777@hotmail.com