أما نعم فمن عندي، ولكن الجملة التالية من مقال للأستاذ كرم جبر رئيس مجلس إدارة روز اليوسف ورئيس تحريرها، وهو الرجل الذي يخالف كل أهل المحروسة في كل مواقفه، فيرى الحكومة عظيمة، والمعارضة مغرضة، والأحوال على أفضل ما يكون، ونائبه كذلك ينافسه في توجهاتهº فيرى أن الأسرى المصريين المقتولين وهم مكبلون بقيودهم تحت جنازير دبابات الصهاينة ليسوا أسرى ولكنهم أبطال – وهذا ليس حبًّا فيهم، أو تقديرًا لهم كما يفهم القاريء الكريم طبعًا – ولكن من أجل رفعًا للحرج عن الحكومة الحبيبة – إليه وحده طبعًا – وإعفاءً لها من أن تُضطرَّ تحت الضغط الشعبي إلى مطالبة حبيبتها إسرائيل بالتحقيق وعقاب المسئولين عن المذبحة، أو تسليم المتهمين إلى مصر لمحاكمتهم، أو على أقل تقدير الاعتذار عمَّا حدث.
ولكنني – وللمرة الأولى – أتفق مع كرم جبر في أن مصر لا تسير في طريق الديكتاتورية، ليس لأن في مصر الآن حريةº فهذا أضغاث أحلام، ولا لأن في مصر مجالس منتخبة بكامل حرية الشعب – وهذا أيضًا من قبيل الكوابيس - ، ولا لأن كل خيرات البلد تعود على أبنائها بالخير والوفرة – فهي تعود على بعض أبنائها فقط – وهم أبناء الرئيس ومن حولهم من أباطرة لجنة السياسات، ورجال الأعمال، وكلهم أبناؤها.
مصر لا تسير في طريق الديكتاتوريةº ليس لأن المخطيء يُحاسَب – كما حُوسöب ممدوح إسماعيل صاحب عبَّارات الموت، وعُوقöب بأن يُنفَى من هذا النعيم الذي يرتع فيه المصريون، ولا كما حُوسöبَ يوسف والي الذي زرع السرطان في جسد كل مصري، وعُوقöب بأن يُحقَن بالسرطان تطبيقًا للقصاص العادل كما أتمنى ويتمنى جميع المصريين، ولا كما حُوسöب من وقَّع اتفاقية الكويز، ولا مَن احتكر الحديد، والذي سمح له بالاحتكار.
مصر لا تسير في طريق الديكتاتوريةº ليس لأن التعديلات الدستورية نزيهة – كما ادَّعوا كذبًا، وتريد مصلحة المواطن – وليس لأنها – أي التعديلات في الحقيقة ترسيخًا لإرهاب الدولة، وتكييفًا قانونيًّا لتزوير الانتخابات، وانتهاك كرامة المواطن، ومصادرو حقوقه الدستورة والإنسانية في الشعور بالأمن والكرامة، والتمتع بخيرات بلاده.
مصر لا تسير في طريق الديكتاتوريةº ليس لأنها قضت على حكم الفرد – حاشا لله – وأن الحاكم القادم غير معرف الهوية – فيما عدا اسمه الثلاثي بالطبع، وفيما عدا أن زواجه بعد أيام – ، وأن من حق كل مواطن أن يترشح للرئاسة دون أن يخشى مصير أيمن نور أو نعمان جمعة.
نعم مصر لا تسير في طريق الديكتاتورية يا أستاذ كرم جبر ليس لكل ذلك، ولا لكل ما ذكرته أنت في مقالك من أسباب أنت أول مَن يعلم أنها غير صحيحة، ولكن لأنَّ من انتهى من الطريق لا يُقال إنه سائر فيه، فالنظام المصري قد قطع طريق الديكتاتورية حتى نهايته، فهو منذ عام 1954م وهو سائر فيه بخطوات سريعةٍ في أغلب الأحيان، وربما يبطيء لسبب عارضٍ، ولكنه كان يعود إلى سرعته، أما الآن فإن لكل طريقٍ نهاية، وقد بلغ النظام نهاية الطريق، وإن كان النظام قد دفع رسوم المرور في هذا الطريق منذ بدايته - كما يدفع قائدو السيارات في الطريق الصحراوي عند البوابة – فإنه لابد أن يدرك أنه لا بد أن يسلّöم تذكرة المرور في بوابة النهاية، وها قد جاءت النهاية، ولكن ما لا يدريه النظام أن الواقف على بوابة النهاية سيكون مصريًّا، وليس أمريكيًّا كالذي أعطاه التصريح في البداية، وما لايدركه أيضًا أن مصير هذه التذكرة وحاملها سيكون الدخول في المفرمة لكي تتخلص مصر من كل ما عانته في هذه الفترة كالحة السواد في تاريخها.
إسلام عبد التواب
باحث تاريخي
islam777777@hotmail.com