تابعنا جميعًا الفتوى الشاذة التي أفتى بها أحد أساتذة الأزهر عن إرضاع الموظفة لزميلها حتى تجوز لهما الخلوة في مكان العمل – إن كانا يُضطرَّان لهذه الخلوة – ورغم ما في الخلوة من غرابة، ورفض كثير من العلماء لهاº لأنها تفتح بابًا كبيرًا للفساد والانحراف لا يخفى على أحد، إلاّ أنَّ اللافت للنظر هو موقف بعض وسائل الإعلام التي استغلَّت تلك الفتوى، وما أثارته من ضجة في الطعن على ذلك الأستاذ الذي أفتى الفتوى – وهو عالم رغم أنفهم، وقد يكون أخطأ في هذه الفتوى، لكن خطأه لا يبيح تناوله بهذه الصورة – واهتمت تلك الوسائل بإبراز قرار مجمع البحوث الإسلامية برئاسة شيخ الأزهر بوقف هذا الدكتور عن العمل حتى إتمام التحقيق معه، ثم انتقلت بالطعن إلى علماء الأمة، ووسمهم بجهل الواقع، وانبرت هذه الأبواق الإعلامية تعطي دروسًا في الفتوى للعلماء الأجلاّء، ثمَّ كان الوصول لقمة الحملة، وهي الطعن في سُنَّة رسول الله والمطالبة بتنقية كتب السُّنَّة - وخاصةً البخاري ومسلم – التي تحوي في زعمهم أحاديث غير موثوقة بمنطقهم هم.
والتناول الإعلامي لهذه الفتوى، وما أحاط بها يحتاج عöدَّة تعليقات، أولها: أنَّ وسيلة الإعلام الناجحة هي التي تتبنى الموقف ذاته عند تكرار الحادث، ومن ثَمَّ فإنها تتمتع بصداقية لدى القاريء، وهذه الوسائل الإعلامية التي نهشت جسد هذا الدكتور، هي نفسها التي تغض الطرف عن فتاوى عدد من الرموز الإسلامية التي أباحت محرَّمات ثابتة، كفتوى إباحة فوائد البنوك، وفتوى تحريم العمليات الاستشهادية، وتحريم مقاطعة الانتخابات – المزورة - ، وفتوى وجوب التزام المسلمات في الغرب بخلع الحجاب ما دام ذلك هو نظام الدول التي يحيون فيها، وهي كلها فتاوى مخالفة للشرع بشكل قاطع.
ثانيها: أنّ مناقشة المسائل العلمية والرد عليها لابُدَّ أن يُترَك للمختصينº لتتمَّ تلك المناقشة في مناخ علمي هاديء، والعالم الإسلامي - ولله الحمد - حافل بالعلماء الأجلاء الذين يستطيعون إبراز الحق جليًّا، ومناقشة بعضهم البعض.
ثالثها: أنَّ حرص الوسائل الإعلامية المختلفة على الإثارة، ورفع مستوى التوزيع والانتشار لابد أن يكون له حدود تمنع القائمين عليه من الانجراف وراء أصحاب الدعوات الهدَّامة الذين يريدون التشكيك في مصادر السُّنَّة جميعها، وخاصةً التي ثبت بالقواعد العلمية صحتها، كصحيحي البخاري ومسلم، وهؤلاء المغرضون يبحثون عن مطية يمتطونها، لتحمل لواء دعوتهم، وبالذات وسائل الإعلام واسعة الانتشار.
رابعها: أن الوسائل الإعلامية المختلفة مطالبة بتبني نشر النماذج المشرقة في جميع المجالات - ومنها فتاوى العلماء التي تصب في بناء الأمة، وتقويتها أمام عدوها، وترسخ قيم الحرية والشورى، وحاربة الفساد والاستبدادº بدلاً من محاولة الكسب المادي الرخيص ببلبلة عقول الناس، وخدمة ذوي السلطان الذين يريدون شل الأمة في قضايا تافهة أو مثيرة.
خامسها: أنَّ هذه القضية كشفت أننا ما زلنا نعيش أزمة عدم التسامح مع الخطأ إذا كان من غير ذي سلطان، أي أننا ما زلنا نستقوي على الضعيف، ونتخاذل أمام القوي المتجبرº فليست هناك جهة من الجهات التي نهشت صاحب الفتوى، أو أوقفته عن العمل استطاعت أن تفعل المثل مع من أفسد في البلاد، وخرَّبها، ونهبها، وقتل أبناءها في عبَّارات الموت، بل غنها لم تصدر حتى بيان إدانة ضدهم.
في النهاية أقول: إن مضمون هذه الفتوى خطير، وليست المقالة محاولة لتبرير الخطأ، ولكن المقال كان يحاول إلقاء الضوء على خطورة وسائل الإعلام المعاصر، ذلك الإعلام الذي جعل للقلم والكلمة قيمة عظيمة، ينبغي على من يمسك بزمامهما أن يدرك هذه القيمة، فيجعل من كلمته لبنة بناء، لا معول هدم.
إسلام عبد التواب
باحث تاريخي
islam@islamstory.com