لا شك أن \"مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل\" كما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك لا شك في أن جميع المهتمين بأحوال مصر، والحركة الإسلامية قد سعدوا بما قام به قادة الجماعة الإسلامية، والجهاد مؤخرًا من مراجعات لفكر العنف، وسعدوا أكثر بمحاولات قادة الجماعة للاندماج ففي مؤسسات المجتمع الدني التي بدأت بمشاركتهم في المؤتمر الذي نظمته (جمعية مصر للثقافة والحوار) برئاسة الدكتور/ محمد سليم العوا، وما قاموا به من مداخلات.
سعدنا – ولا شكَّ – بكل ذلك، ولكن ما لم نسعد به هو استمرار قادة الجماعة في محاولات تخطئة الجماعات الإسلامية الأخرى العاملة على الساحة، وخاصةً الإخوان المسلمين، فقد كان ذلك النهج موجودًا منذ بدايات الجماعة، وكان يتضمن أشد الإساءات للإخوانº لأنهم لا يخرجون على الحاكم بالقوة، فيتهمونهم تارةً بالجبن والخور، وانعدام الرجولة، وتارةً أخرى بالمهادنة للنظام، والإخوان – أثناء ذلك - ثابتون على نهجهم، ماضون في طريقهم، ولم تفلح اتهامات الجماعة في جرّöهم إلى المواجهة مع الدولة، أو الانشغال بالرد على تلك الاتهامات.
والآن وبعد ما قام به قادة الجماعة من مراجعات، وما قدَّموه من اعتذاراتٍ عمّا ارتكبوه في حق النظام وقادته، وفي حق الشعب، كان المنتظر منهم أن يتقدموا بمثل هذه الاعتذارات إلى إخوانهم العاملين بالساحة الإسلامية، الذين صبروا صبرًا جميلاً على كل الإيذاءاتº إذ لا يُعقَل أن تتحول الجماعة ذلك التحول الفكري المشهود الذي حوَّل موقف السادات مثلاً من حاكمٍ كافرٍ – عندهم – إلى شهيدٍ في زمن الفتنة – حسب المراجعات -، وحوَّل موقفهم من النظام وأجهزة الأمن من العداء والحرب والاغتيالات إلى الاعتذار، واعتبارهم إخوانًا في الوطن، أقول: لا يُعقَل أن يتحول فكر الجماعة ذلك التحول، وتسلك ذلك الفكر الجديدم من أشد خصومها في الماضي، وتظل في ذات الوقت على نهجها تجاه إخوانهم العاملين في الساحة الإسلامية، وخاصةً الإخوان، وخاصةً أن فكر الجماعة من حيث فهم الإسلام بشموله متقارب، بل هو مأخوذ من أدبيات الإخوان في الأصل، رغم خروجهم السابق عن منهج الإخوان في العمل السَّلمي.
كان من المفترض – إذن – أن يراجع قادة الجماعة موقفهم من العاملين بالساحة الإسلامية، واصةً الإخوان، ولكن قادة الجماعة خذلوا تلك التوقعات، واستمرُّوا في نهجهم في اتهام إخوانهم بالتقصير، وإساءة التفكير، رغم أن مراجعاتهم تبين العكس، وتبين أن من انتهج النهج السلمي كان هو على الحق.
لقد ساء المتابعين للعمل الإسلامي، والحريصين عليه ما صدر من تصريحات على ألسنة بعض قادة الجماعة تتهم العاملين للإسلام جميعًا بأنهم لم يستطيعوا أن يقدموا نموذجًا يتوافق مع الأنظمة القائمة، وكأنَّ النظام قد صار في نظر قادة الجماعة على حقٍّ، في رفضه تحكيم الشريعة، أو منح الحريات للشعب، وأن الخطأ كل الخطأ في حقّöö من يطالبونه بهذه المطالب. وما جاء في تصريح آخر يطالب الإخوان بنبذ التنظيم، والتحوُّل لحركة دعوية دون نظام، وكأنَّ العمل التنظيمي قد صار حرامًا.
إنَّ قادة الجماعة يتغافلون أن ما قاموا به من إرهابٍ للأبرياء، ومن اغتيالاتٍ كان له أثر كبير في تقوية النظام الفاسد على مواجهة كل دعاة الإسلام، وفي تشويه النموذج الإسلامي والدعاة إليه، وخاصةً الإخوان المسلمينº فقد كان النظام يتهم الإخوان بأنهم هم وراء التفجيرات التي قامت بها الجماعة، وأنَ الجماعة هي الذراع العسكرية للإخوانº وذلك ليشوه صورة الإخوان في أعين البسطاء.
ومن هنا أقول لقادة الجماعة والجهاد: إنَّ قيامكم بالمراجعات الفكرية أمرñ محمود لاشك، بشرط ألا يتضمَّن الإساءة للعاملين للإسلام الذين رفضوا نهج العنف الذي انتهجتموه، وتحملوا الأذى منكم ومن النظام سايقًا، فلا تتحالفوا مع النظام الآن من أجل الإساءة إليهم مرةً أخرى، وإلا فإنَّ الرأي العام سيصدق ما أُثير من أنَّ إفراج الدولة عنكم كان في إطار صفقةٍ تقومون فيها بدور الشوكة في خصر الإخوان المسلمين، ومحاولة تشويههم، وساعتها سيكون الاتهام بمهادنة النظام ليس من نصيب الإخوان، وإنما من نصيبكم، بل سيكون الاتهام – في هذه الحالة - أشد.
إنّ قادة الجماعة مدينون للعاملين بالساحة الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمين بالقيام بمراجعاتٍ أخرى في موقفهم منهم، وتقديم اعتذاراتٍ لهمº وذلك حتى يسددوا بقية فاتورة أخطائهم الماضية، وليستطيعو البدء في صفحةٍ جديدة يكون لهم فيها شيء من المصداقية.
إسلام عبد التواب
باحث تاريخي
islam777777@hotmail.com