استنكرت ومعي الملايين من المسلمين ما حدث من الشاب المرتد المتنصّöر محمد حجازي، وكنا نتساءل مستنكرين: كيف يتنصَّر ويترك الإسلام؟!! وكان استنكارنا ذاك يعود إلى تمسكنا بدين الحق الذي أنزله الله بها كافة الشرائع، وبالشريعة الخاتمة التي نسخ الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلممهيمنًا على الكتب السابقة، وحفظه السابقة، وبالقرآن الذي جعله الله بعدما حرَّف البشر الكتب السابقة.
كان استنكارنا نابعًا من ذلك، ولكننا لم نتوقف لحظة لنرى الواقع المحيط بنا، ولنتحرَّى الأسباب التي دفعت هذا الشاب إلى الانحراف عن عقيدة التوحيد الصافية, والآن أرى أنني أستطيع أن أرى هذه الأسباب بوضوحº لذا أصطحبكم معي في جولة نرى فيها هذه الأسباب:
السبب الأول: هذا الشاب نشأ في مجتمعناº حيث تسود منذ فترة موجة عاتية من الآنحلال الأخلاقي تدفع بالشباب من أمثاله إلى أتون الشهواتº ومن ثَمَّ البعد عن فهم الإسلام فهمًا صحيحًا فضلاً عن الالتزام بتعاليمه، وهذا المجتمع يشهد كذلك حربًا ضروسًا على الشباب الملتزم من جهات عديدةº فالإعلام يصوره ( أي الشباب الملتزم) كإرهابي عتيد، وإنسان منغلق رافض للحضارة ومنجزاتها، والأجهزة الأمنية تقوم بواجب تكريس كراهية الوطن في نفوس هؤلاء الشباب عن طريق اضطهادهم، والقبض عليهم، وتعذيبهمº مما جعل كثيرًا من الشباب يفرُّون من الالتزام فرارهم من الأسدº ومن ثَمَّ صار من السهل الإيقاع بهم في أي مجال يخالف الشرع من فسادٍ أخلاقي يتقنه صُنَّاع الفساد، أو في براثن المنصّöرين الذين يملئون مصر الآنº ليستغلُّوا حالة الضياع، والفراغ الروحي التي يعيشونها، ويوقعوا بهم في براثن الارتداد.
السبب الثاني: هذا الشاب كان أثناء دراسته الجامعية عضوًا في حركة سياسية معروفة بإهمالها للدين عامةº ومن ثمَّ لم يتلقَّ الزاد الإسلامي الذي يحميه من محاولات الإضلالº فضلاً عن أنها تثير في الشباب روح الثورة الهدَّامة ضد كل شيء دون تمييزº ممَّا أهَّله للانقلاب ضد الإسلام.
السبب الثالث: وقع هذا الشاب في ضائقة اجتماعية تمثلت في رغبته في الزواج من زميلته، بينما هو غير قادر على تكاليف الزواجº مما جعل أهله يرفضون إتمام هذا الارتباطº فما كان من هذا الشاب (الثوري) غير الملتزم بأية معايير أو ضوابط إلا أن ثار ضد أهله، وقرَّر الزواج رغمًا عنهمº مؤيَّدا بأحد القيادات المسيحية في حركة كفاية الذي دفع له أجر المأذون.
السبب الرابع: وقع هذا الشاب في براثن أحد المنصرين المحترفين الذي استغلَّ ظروفه، وقدَّم له مسكنًا بأجرٍ زهيد ليعيش فيه مع زوجته، وفوق ذلك قدَّم له عملاً في قناة فضائية تابعة لشبكات التنصير التي أصبحت معلمًا بارزًا من معالم مصر، والتي تتلقَّى طوفانًا من الأموال التي تهدف لتنصير مسلمي مصر بأكملهم أو أغلبهم، وهنا سقطت الضحية تحت سكين التنصير.
السبب الخامس: لقد تلقَّى الفتى دعمًا هائلاً من إحدى الشخصيات النافذة بالحزب الوطني (كما ذكرت الصحف)، وقامت هذه الشخصية بالضغط على الشاب لعلن تنصره، ويقوم برفع الدعوى القضائية، رغم أنَّ الفتى لم يكن يرغب في هذا الإعلان كما ذكرت الصحيفة أيضًا.
السبب السادس: وجد هذا الفتى أن الكنيسة في حال قوةٍ غير مسبوقة، بينما المسلمون في حالة تراجعٍ واضحº فالجريدة التي تصدرها الكنيسة لا تنقطع عن الهجوم على الإسلام في بلد الأزهر، وتقوم بتشويهه، والتطاول على عقائده، ولا يستطيع أحد الرد، وفي ذات الوقت تتحرك كل القوى بإشارةٍ من البابا لمصادرة كتاب لأحد علماء المسلمين الأجلاّء إذا قال شيئًا يغضب البابا والكنيسة ولو كان حقًّا يطابق الشرع.
إذن تجهيل متعمَّد بالإسلام، واتجاه فكري يدعوه للتمرد، وشبكة ضخمة للتنصير المال لديها بلا حساب، ونفوذها يتحدَّى نفوذ ادولة نفسها، بل يفوقه، كما نلاحظ من كم التجرؤ على القوانين التي تقوم على أنَّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، بل بلغت القوة بهذه الشبكات والكنيسة التي تدعمها إلى المطالبة بإلغاء الشريعة نفسها، ولم لا؟! إذا كانت المساجد في مصر المسلمة لا تُفتَح إلا قبل الصلاة بربع ساعة، وتُغلَق بعدها بربع ساعة، بينما الكنائس مفتوحة ليل نهار ولا أحد يدري ما يجري فيها، وإذا كان ضباط الشرطة يتجرَّءون على أيّö مصلٍّ أو أي شاب تبدو عليه ملامح الالتزام، أو حتى العلماء الأفاضل، بينما لا يستطيعون النظر في عيني أي قسيس.
كل هذا ثُمَّ نتساءل: لماذا تنصَّر؟! إنَّ السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يتنصَّر شاب وقع تحت كل هذه الضغوط؟!
إنني لا ألتمس له العذرº فقد كفر وارتد عن الإسلام، وجزاؤه – إن لم يتب – الخلود في النار، ولكنني أدق ناقوس الخطر قبل أن يستفحل خطر التنصير في بلاد المسلمين تحت ضغط انتشار الفقر والجهل والانحلال، ووسط عجز المسلمين، : \"اللهُمَّ إني أعوذ بك من جَلَد، ولا يسعني إلا أن أردد مع الفاروق عمر الفاجر وعجز الثقة\".
إسلام عبد التواب
باحث تاريخي
islam777777@hotmail.com