أن السياسة الخارجية هي السياسة التي يتبعها الدولة في تعاملها مع اللاعبين الدوليين في المحيط الدولي، ويدير بها العلاقات السياسية والإستراتيجية للدولة مع الدول الأخرى، وبطبيعة الحال إن المقاييس التي تقيم عليها السياسة الخارجية هي المصلحة الوطنية، وتمارس الدول سياسات خارجية دقيقة ومحكمة وذلك لغرضين : أولهما:- تقوية العلاقات مع اللاعبين الدوليين ومحاولة إيجاد لاعبين جدد بما يعطي للدولة أكثر من خيار في بعدها الدولي، وثانيهما : - المحافظة على المصلحة الوطنية وتجنب الصراعات والإخفاقات في السياسة الدولية التي تجلب للدولة العزلة والفشل السياسي في الميدان الدولي .
وتضع الدول سياساتها الخارجية غالبا وفق المصلحة القومية للدول، ووفق الإمكانيات والواقع الإقليمي والدولي المحيط بالدول، مع مراعاة التطورات السياسية المتسارعه في عالم السياسة المعاصرة، حيث تكون السياسة الخارجية مرنة إلى حد ما بحيث يمكن من خلالها استيعاب المؤثرات الناتجة من التطورات السياسية الدولية، فضلا عن وجود صلة وثيقة أو ما يمكن أن نسميها \" العلاقة التكاملية \" بين السياسة الداخلية العامة للدولة وسياستها الخارجية، فالسياسة العامة المتبعة في داخل الدولة غالبا ما تفرز نمط معينا من السياسة الخارجية للدولة في البعد الخارجي \" كأيديولوجية الدولة وإستراتيجيتها المرحلية والبعيدة المدى \"، وتتأثر السياسة الخارجية للدول بالعوامل الداخلية \" الاستقرار، الرفاهية الاقتصادية، الشفافية، دور المؤسسات \" والعوامل الخارجية \" التطورات الدولية والإقليمية، الحروب، التعامل بالمثل، الالتزامات القانونية للدولة في الأجهزة والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة وغيرها \"، هذا ما يتعلق بماهية السياسة الخارجية وكيفية صنعها في الدول العالمية المختلفة .
أما ما يتعلق بالواقع الموجود فذلك شي مغاير، لأنه ليس من الضرورة أن ترى ما هو موجود في النظريات السياسية مطبقا في الواقع السياسي الفعلي، فهناك الكثير من الدول خاصة الدكتاتورية والمستبدة التي لا تستند دعائم حكمها على الشرعية السياسة وقوة الشعب،لا تعتمد في صنع سياستها الخارجية على المؤسسات التابعة للدولة \" الوزارة الخارجية، مؤسسات الأمن القومي، وذلك لأن تلك الدول في الأصل لا يملكون قرارهم السياسي في الخارج، وغالبا ما تدير السياسة الخارجية لهذه الدول القوى العظمى والظروف الدولية الطارئ، لكون الطوارئ هي الصفة الغالبة في الداخل والخارج بالنسبة لتلك الدول، فضلا عن أللاستقرار السياسي والاقتصادي التي تعيشها الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية، مما تفرض عليها واقعا مضطربا وتكون عرضا للتداخلات الدولية السلبية، فالدولة الغير مستقرة تكون فريسة بيد اللاعبين الدوليين خاصة الدول العظمى، لان العالم اليوم يعيش حالة من الفوضى الدولية، لعدم وجود المساواة في الموازين الدولية خاصة التعامل الخارجي بين الأطراف الدولية، ونرى هذه الحالات بصورة واضحة في كل من\" العراق، السودان، فلسطين، باكستان، أفغانستان، الصومال، لبنان \" حيث أصبحت عرضة للتدخلات الإقليمية والدولية وكل دولة تحاول حل أزماتها بتمريرها إلى الساحات الساخنة في الدول المذكورة، بل وحتى الاتفاقيات والمساومات يتم خلف الكواليس بين الأطراف الدولية التي تحاول الاستفادة قدر الإمكان من تلك الأزمات \" قانون الغاب\" الوجه الحقيقي لعالمنا المعاصر .
وأحاول من خلال هذا الموضوع الإشارة إلى زيارة \" بوش الابن \" الأخيرة إلى منطقة الشرق الأوسط، ومحاولته المتكررة في رسم السياسة الخارجية لدول المنطقة، بحيث تكون منسجمة مع اللحن الأمريكي، ووفق الطبخ الأمريكي، ومثلما يريده الصقور في البيت الأبيض، وخاصة المحافظين الجدد في الوقت بدل الضائع من مدة حكمهم ، وأغرب ما في خطاب \"بوش\" استمراره في ترديد لحن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمبادئ الأساسية للديمقراطية، وصناديق الانتخابات، بعد إثباته عمليا عدم صدق شعاراته ووعوده الضبابية من خلال دعم الأنظمة غير الشرعية في الشرق الأوسط، والعمل مع تلك الأنظمة في محاربة شعوبهم ، وكان يخاطب شعوب الشرق الأوسط بلغة الطبيب، ثعبان يقوم بدور الطبيب( حتى في الدراما شي غير مألوف) ، فضلا عن قوله بأنني اسمع صرختكم وطلبكم للعدالة، وقال أن العالم اليوم تواجه تهديد خطير ألا وهي \" إيران \" ودعمه للمتشددين أمثال \" حركة المقاومة الإسلامية حماس \" والجهاد الإسلامي في فلسطين، وقال يحب أن نعمل سويا في معالجة هذا التهديد قبل فوات الأوان، ومن ثم الإشارة إلى عملية السلام في الشرق الأوسط ودعم الأطراف العراقية في مواجهة الإرهاب، وما إلى ذلك من محتويات قائمة الإرشاد الطبي الخاص بالدكتور \"بوش \"، وأردت أن أصل إلى خيوط خطاب الرئيس الأمريكي الذي ألقاه في أهم منطقة اقتصادية في العالم، محطة التجارة العالمية ومولدة الغرب بالمصدر الرئيسي للطاقة، ووجدت بأن بوش يريد أن يساهم في صنع السياسة الخارجية لدول الخليج العربي، ومحاولة تعبئة تلك الدول ضد التوجه الإيراني في المنطقة، من خلال الإشارة إلى بعض السياسات الإيرانية التي ترى الدول الخليجية فيها التهديد لأمنها القومي خاصة ما يتعلق بملف النووي الإيراني، فضلا عن محاولة \"بوش الابن \" إرسال رسالة واضحة لقادة العرب عن تقسيمه للدول العربية وفق المصلحة الأمريكية من خلال ربط الدور السوري بالدور الإيراني في لبنان والعراق، ومحاولة تنبيه الدول الخليجية بالخطر الإيراني بالصورة التي يفهمها إدارة بوش، وليست ما يفهمها تلك الدول عن الدور الإيراني، أي أن زيارة بوش التي جاءت في وقت متأخر الوقت التي يشهد فيها إدارته اشد الانتقادات في الداخل الأمريكي وعلى مستوى الشعوب العالمية، خاصة الإخفاق الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان، وتزايد النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال تحكمها بقوانين اللعبة وامتلاكها لأوراق لا تقل أهمية عن الأوراق الأمريكية ، لذا يحاول \"بوش الابن \" إنقاذ سفينته من أمواج المحيط العرافغاني، إلا أن الدلائل والإشارات تعكس صورة معاكسة لما يراه ويريده بوش من الحكام المستبدين، لا لكون هولاء الحكام قرروا التحرر من القيود و التبعية الأمريكية، وإنما لغباء بوش الذي اثبت بجدارة انه اغبى رئيس حكم الولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق .
زيرفان سليمان البر واري