تحكي كتب التاريخ أن الرومان كانوا أشد المحتلّöين قسوةً على الشعب المصريº إذ فرضوا عليه الكثير من أنواع الضرائب الباهظةº كضريبة المرور في الطريق، وضريبة دفن الموتى، وغير ذلك من أشكال العسف والجور.
ولكننا الآن نستطيع أن نصحح ما ورد في هذه الكتبº فلم يكن الرومان هم الأشد قسوة، فنظام حكم مبارك قد فاقهم بمراحل عديدة، ولم تعُد الضرائب الرومانية عجيبة من العجائب أمام ما ابتدعه النظام من غلاء للأسعار قصم ظهور المصريين بحيث لم يعد يمكنهم بالفعل أمام عجزهم عن توفير الحد الأدنى من متطلبات حياتهم هم – ولا أقول متطلبات أبنائهم – إلا أن يقتل بعضهم بعضًا أمام أفران الخبز، أو أن يسرقوا ويختلسوا، أو أن ينتحر اليائس والقانط منهم.
إن النظام المصري قد ابتدع من وسائل نهب الأموال من جيوب المواطنين ما لا يخطر على بال إبليسº إذ اخترع طابعًا ودمغة لكل ورقة رسمية، ثم ضاعف أسعارها عدة مرات، هذا غير الرشوة للموظفين ليقوموا بواجبهم، ومع ذلك خلع يده من كل مسئولية نحو هذا الشعب، والمفترض أن الدمغات مقابل الخدمات، ولكن هذا في الدول المحترمة.
كما أن النظام قد سلَّم رقاب الشعب المصري لنفرٍ من النهَّابين الذين استحلُّوا الشعب بأكملهº فاحتكروا الحديد والأسمنت، وغذاء المصريين، ثم هو يضحك علينا بتحويل بعض كباش الفداء من التجار الصغار إلى النيابة، بينما يترك رءوس الاحتكار الكبيرة تمرح وتنعق على أطلال مصر.
إنني أختلف كُلّöيَّة مع من يظنون أن التوريث قادمº وذلك لأن من يريد توريث أحدٍº فإنه يترك له شيئًا يرثه، بل يسمنه له (من التسمين) لكي يتمتع بخيره، ومصر الآن لم يعد فيها شيءñ، أو تكاد، ومن سيرثها سيُوَاجه بثورة شعبية تقتلعه هو ونظامه المهترئ،
فالمنطق يقول: إن ما يحدث الآن هو استنزاف آخر ما تبقى من الدماء في شرايين الشعب المصريº لتُهَرَّب إلى الخارجº ليتمتع بها هناك من نظن أنهم سيرثون البلد بما فيها.
------------
إسلام عبد التواب
باحث تاريخي