الدعاة إلى الله وهم يتحركون بدعوتهم في هذا الخضم من الفتن ، لابد أنيدركوا ويعوا أن لاإستمرار لدعوتهم إلا بجهودهم ، وان لاتمكين لها إلابتحركهم الدائم المنضبط ، والأفكار والمباديء التي لاتستطيع أن تبعث فيأصحابها الفعالية والجدية لاطائل من ورائها ولاجدوى من إعتناقها كما قالإقبال رحمه الله:(لابارك الله في نسيم السحر إذا لم تستفد منه الحديقة إلاالفتور والخمول والذوي والذبول)(1). كذلك حديقة الدعوة إذا أردناها وارفة الظلال يانعة الثمار عبقة الأزهارتجذب الآخرين بطيب ريحها ورحابة ظلها ، لابد أن نعطيها بسخاء من جهودناوأوقاتنا وأفكارنا وأموالنا كذلك ، وإن كنا نسعى إلى بلوغ شاطيء الأمانبسفينتنا فلنمتن الواحها وأشرعتها ، إذ لايمكن أن تصل السفينة إلى مبتغاهاوتتغلب على الأعاصير والعواصف الهوجاء والأمواج المتلاطمة بألواح وأشرعةمنخورة ومتآكلة وبالية. فبقدر عطائنا نزن أنفسنا ، فالعطاء هو الميزان ، وقدر كل منا عند ربهودعوته وأمته مساو للقدر الذي يعطيه والعمل الصالح الذي يقدمه وهو الميزانالذي شرعه الرافعي رحمه الله مخاطبا الداعية :(إن قيمتك الصحيحة في أنتكون وسيلة تعطي وتعمل لتعطي ، لاغاية تأخذ وتعمل لتأخذ ، ومهما ضيق عليكفإنما أنت كالشجرة الطيبة تاخذ ترابا وتصنع حلاوة)(2). والعطاء الذي نقصده هنا هو العطاء بمفهومه الشامل غير المجزء أو المحصورفي جانب من الجوانب ، أو القاصر على مجال من المجالات ،فالثبات على طريقالدعوة والصبر والمصابرة عليه عطاء ، والتحرك السليم والدائب في سبيلتحقيق أهداف الدعوة وتنفيذ مشاريعها عطاء ، وبذل الجهد في شتى مجالاتالعمل الدعوي عطاء ، والمحافظة على سلامة الصف وتماسكه عطاء، والكلمةالطيبة الهادية الهادفة عطاء، وتقديم يد العون والمساعدة وحب الخير للناسعطاء، والنقد النزيه البناء المشفق عطاء ، وإقالة عثرات الإخوان عطاء ،وصرف الوقت في العمل الجاد المثمر عطاء ، وإيصال الدعوة إلى من لم تبلغهعطاء، وإزالة الغبش والغموض الذي قد يلف الدعوة بفعل الشبهات والشائعاتعطاء، وتقريب البعيد وإقناع المتردد وتيقين المتشكك وتطمئين الخائف عطاء،وتمثيل الدعوة تمثيلا يليق بسمو أهدافها ونصاعة مبادئها عطاء ، والغيرةعلى الدعوة والانتصار لها في ميادين المنافسة والصراع المختلفة عطاء .. وهكذا دواليك فمجالات العطاء لاحصر لها ، والفرد مطالب بأن يعطي لدينهودعوته وأمته كل مايستطيع إعطاءه ، فلقد عاب القرآن الكريم قوما يعطون أقلمايستطيعون فقال تعالى :(أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا واكدى)(النجم 33، 34). فكل فرد ِ مهما كانت قيمته ومكانته وموقعه ومستواه ِ آمن بالدعوة وعظمةغايتها ونبل مبادئها وأهدافها مطلوب منه بأن يعطي في شتى مجالات العطاءالواسعة قدر إستطاعته ، ولايكن متفرجا فحسب ، ناقدا ليس إلا ، فمن ارادنقدا فعليه أن يعطي ويقدم أفضل من الموجود وإلا فليست النائحة الثكلىكالمستاجرة ، ولتكن لنا العبرة في الآية الكريمة من سورة التوبة ، وهيتصور صنفا من الناس لايعطون شيئا ولايقدمون جهدا ، ولايكتفون بسلبيتهم هذةبل يسخرون من جهود وأعمال الآخرين ويستهترون بها ويقللون من قيمتها قالتعالى(الَّذöينَ يَلْمöزُونَ الْمُطَّوّöعöينَ مöنَ الْمُؤْمöنöينَ فöيالصَّدَقَاتö وَالَّذöينَ لا يَجöدُونَ إöلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَمöنْهُمْ سَخöرَاللَّهُ مöنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابñ أَلöيمñ)(التوبة 79). روي في سبب نزولها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا\". قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يارسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسولالله صلى الله عليه وسلم: \"بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيماأمسكت\". وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله،أصبت صاعين من تمر: صاع أقرضه لربي، وصاع لعيالي. قال: فلمزه المنافقونوقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء! وقالوا: ألم يكن الله ورسولهغنيين عن صاع هذا؟ فنزلت الآية (3) وأنظر إلى ماأعطاه الامام البنا رحمه الله لدعوته وأمته تجد قمة العطاء،وأسمع إلى شهادةالشيخ محمد الغزالي رحمه الله في ذلك:(كان هذا الامامالعجيب يحسب عمره بالدقائق لابالساعات ، وفوق تراب مصر وحدها شق الطريقإلى عشرات المدن وآلاف القرى ، فتحدث إلى الناس في ثلاثة آلاف قرية علىالأقل ، ولاأزال أتصوره وهو يزرع الحب بالبسمة الرقيقة ، ويصنع اليقينبالإقناع الهاديء ، ويتجاوز الخلافات برفض الجدل ، وتعليق الناس بالجوهرلا بالمظهر ، وتقديم الأهم على المهم ، وقبل ذلك وبعده بتقوى اللهوالإعداد للقائه ، وبكلمته التي طالما سمعته يرددها : إن فناء في الحق هوعين البقاء)(4)، ولايعرف الفضل من الناس إلا ذووه، وهو بذلك صنو أخيهالعلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله في حله وترحاله في معظم مدن وقرىالجزائر داعيا ومبلغا ومربيا وناصحا وموجها. فالدعوة بحاجة إلى قلوب خاشعة وأكف ضارعة وسواعد مشدودة وأيادي ممدودةونفوس باذلة وعقول مفكرة وجهود مضاعفة وعطاء واسع وعمل دائب وحركة مستمرةوإجتهاد متواصل ، فإن لم نستطع أن نعطي دعوتنا كل هذا وأكثر فلا نتمادى فيأمانينا وأحلامنا الواسعة ، ولنمد أرجلنا على قدر أغطيتنا . فبقدر عطائنا تتحدد قيمتنا وقيمة الدعوة التي نحملها في ميزان الواقع، وفي ميادين التدافع المختلفة.
المراجِِِع:
1 ِِ الطريق إلى السعادة والقيادة لابي الحسن الندوي ص 144.
2 ِِ وحي القلم للرافعي ج2 ص 81.
3 ِِ الحافظ البزار في مسنده كما في ابن كثير.
4 ِِ الاخوان المسلمون في ميزان الحق لفريد عبد الخالق ص5.