أدمى قلوبنا جميعًا غرق مجموعة جديدة من الشباب المصري - الباحث عن الرزق والعمل في الخارج - على متن الزورق (أمان الله)، ولا أدري هل جاء هذا الحادث على متن زورق صغير يحمل اسم (أمان الله) كنبوءة عن مصير هؤلاء الشباب الذين سيذهبون إلى مصيرهم في أمان الله بإذنه تعالى،أم جاء الأمر كمفارقة تخرج لسانها لنا جميعًا - كما يفعل نظامنا الحاكم – فبدلاً من أن يذهب الشباب في أمان الله ذهبوا غلى قبورهم في بطون الأسماك، وقاع البحر!!
إن الحادث ليس الأول من نوعه، وغالبًا لن يكون الأخير، فالشباب كله، والشعب في أغلبه قد فقد الأمل في حياة كريمة في وطنه، وأصبح منتهى أمله أن يجد فرصة ليترك بلده إلى مكان يعيش فيه كريمًا، يشعر بكرامته، ويجد لقمة تقيم أَوْدَه، ومسكنًا كريمًا يضمهº كي يجعل منه وطنًا بديلاً غير آسف على وطنه الأول الذي هجره، وجفاه، وقلاه، وأسلم خيراته إلى حفنة من اللصوص والسُّرَّاق المتمكنين بسلطة أولي الأمرº فأخذوا ينهبون خيرات هذا الوطن، والوطن غير مبالٍ.
بحث الشباب عن هذه الفرصة، وذلك الوطن البديل، ولكن لصوص الوطن منعوهم حتى فرصة السفر، وضيَّقوا عليهم، وتكالبت عليهم الظروفº فاستسلموا لتجار الوهم، واشتروا منهم ذلك الوهم بآلاف الجنيهات.
ولكن ألم يكن الشباب يعلمون أنها مغامرة غير مضمونة؟
والإجابة التي تدمي القلب، أنهم كانوا يعلمون، ولكنهم حسبوها بعقولهمº فوجدوا أن الحُلم غير المضمون أفضل حالاً من اليأس المؤكَّد في رحاب الوطن، والذي سيفضي بهم إلى تسرب سنين العمر من أيديهم، إلا لو ارتكبوا جريمة تعجّöل بهم إلى السجن، أو تريحهم من عناء الحياة بالإعدام!!
المؤلم أن أهل هؤلاء الشباب فقدوا هم أيضًا الثقة في هذا الوطن، أو قل: فقدوا الأمل في حياة كريمة لأبنائهم، بعد أن فقدوها هم بداية، ومرَّت عليهم السنون، وحقوقهم تُسرَق أمام أعينهم، وأدركوا أنهم لو صمتوا فإنهم يُسلöمون أبناءهم لا إلى حضن وطن حنون يضمهم ويحنو عليهم، وإنما إلى عصابة تعتصر آمال أبنائهم، وتغلفها بظلامٍ لا شروق لهº فأخذوا يجمعون ما يستطيعون من الأموال ليمكّöنوا أبناءهم من السفر، وهم يعلمون مصير من سبقهم: الغرق، ولكن هناك احتمال أن ينجوا، ويصلوا لدولة أوربية، ويتمكنوا من العمل، ولو بشكل غير شرعيº فتصير لهم حياة شبه كريمة.
آه يا قلبي..!!
هل صار حُلم المصري حياة شبه كريمة، يجد فيها اللقمة والمستقبل، ولو كان مخالفًا للقانون؟!!
هل صار يجد في حضن بلدٍ غريب يعيش فيه مطارَدًا دفئًا وحنانًا فقده في بلده ووطنه؟!!
أم أن الجفاء قد طال قلب الوطنº فعجز عن ضم أبنائه؟!!
لا. لا هذا ولا ذاك، ولكن الوطن اختُطöف..!!
نعم. اختُطöف من ثلة السرَّاق والخونة، الذين عاملوه كبقرة حلوب يستنزفونها، ويستعبدون أهلها الذين يقومون على رعايتها..
لقد نجح هؤلاء في التفريق بين الابن وأمهº حتى صار أبناء الوطن جميعًا يردّöدون مع أخي الشاعر المبدع (صلاح جلال) قصيدته الدامية (ماشي يا وطن)، وينوحون بأبياتها: