شهران ويزيد مرا على الكرنفال الانتخابي العراقي وما صاحبه من حملات التطبيل والتزمير والتزييف الاعلامية والتي بشرتنا بعراق ديمقراطي يكون فاتحة وامثولة للشرق الاوسط الجديد. حينها وزعت وسائل الاعلام صورا لاصابع العراقيين المصبوغة باللون الازرق تعبيرا عن ممارسة دورهم الانتخابي ومنهم من رسم علامة النصر باصبعه المضرج بالحبر الانتخابي. ولاتنسى الفتاوي النارية والتي هددت الممتنع عن التصويت بالنار والثبور وعظائم الامور والتصريحات التي سخرت من المقاومين والممتنعين عن التصويت بل ان وزير الداخلية العراقي اتهم المستنكفين عن العملية الانتخابية بالخيانة. في ذلك الوقت انبرى ادعياء المقاومة السياسية والمتعاملين مع الاحتلال والسائرين في ركابه ليبرهنوا على صحة اختيارهم وسلامة منطقهم.
كتبت وكتب غيري ان الانتخابات تحت حراب الاحتلال هي سراب كبير ووهم مميت، فالاحتلال له أجندته وبرامجه والتي لا تحتاج الى كثير ذكاء او قليل عناء، التحكم بموارد العراق والسيطرة على ثرواته ومقدراته والعبث بمعتقدات الشعب وثوابته ومفاهيمه.
الفراغ الحكومي والمناوشات والمفاوضات بين الفائزين في الانتخابات تثير السخط والتذمر الشعبي، فضحايا الامس ومناضليه او الذين يريدون ان يصورا انفسهم كذلك هم في الواقع او اكثرهم من الباحثين عن الزعامات والالقاب والمميزات الشخصية على حساب استقلال الوطن وكرامته ومعاناة المواطن وظروفه الطاحنة. والملاحظ ان سلطات الاحتلال تراقب ما يحدث بين الفرقاء العراقيين بعين الرضا والسعادة كما صرح بذلك رامسفيلد، وهي – الادارة الامريكية- لو ارادت لضغطت عليهم وكلهم لها أذان صاغية وعجلت تشكيل الحكومة وانهت فصول المسرحية الكوميدية السوداء. بل ان تركيبة العملية السياسية العراقية من انتخاب القوائم الى الفيتو المعطى لثلاث محافظات الى نسبة الثلثين لتشكيل الحكومة هي امور مخطط لها بعناية حتى يبقى الساسة العراقيون يدورون في دوائر مغلقة ولتعميق وتعزيز الروح الانقسامية بين طوائف الشعب العراقي. فالاكراد والذين كانوا ضحايا ممارسات سابقة اصبحوا اليوم في مواقف تستدعي وتثير مشاعر الحنق عليهم من قطاعات عريضة من الشعب العراقي ولتنتقل الخلافات من صفوف السياسيين الى عموم افراد الشعب تمهيدا لحرب اهلية لا تبقي ولا تذر.
هل يريد الامريكيون ان يثبتوا ان السياسيين العراقيين غير مؤهلين لحكم بلادهم؟ وربما يخرج علينا المخططون الامريكيون بنظرية عن حاجة الامم المتخلفة سياسيا الى ديمقراطية خاصة -كما اشار بوش في حفل تنصيبه- تستوجب مرحلة انتقالية من الحكم الامريكي التأهيلي. اما الذين يريدون ان يخرجوا الامريكان بالطرق السلمية المزعومة وقد فشلوا في تشكيل حكومة عراقية خلال شهرين رغم فوزهم "الانتخابي" الكبير فكم يحتاجون لاخراج الامريكيين من العراق بالوسائل السلمية..عقدين ام قرنين؟
لقد اثبتت الاحداث المتلاحقة صوابية ومنطقية الذين قرروا مقاطعة مهزلة الانتخابات وبرهنوا على بعد نظر يؤهلهم لقيادة الشعب العراقي والذي سئم ومل من سياسي الاحتلال وسماسرته. بعد الانتخابات بيوم واحد وعندما كانت عملية التسويق والتزييف الاعلامية في أوجها كتبت مقالا عن الانتخابات المهزلة ختمته بالعبارة التالية " الانتخابات والتي أخرجها الاحتلال بتفوق إعلامي مثير للاعجاب قد ترتد كما تصريحات بوش بعيد سقوط بغداد على ناقلة الطائرات " المهمة أُنجزت" سلبا ووبالا على من يحتفلون اليوم بإنجازها، عندما لا يشعر المواطن بتحسن في اوضاعه المعيشية وعندما توقظه الحقائق الموجعة من سبات الوعود الزائفة والفتاوي الباطلة فبلاده ما يزال محتلا ومستباحا ، يشارك في نهبه مع الاجنبي حلفاؤه وعملاؤه أضف الى ذلك الخلافات العاصفة المتوقعة بين حلفاء الاحتلال على الغنائم والمناصب حتى بين أعضاء القائمة الواحدة. حينها ستسقط اصنام كثيرة وتتهاوى دعاوى التزييف وسيقود الشعب قادته الحقيقون والذين يضحون بارواحهم وممتلكاتهم لتحرير العراق والحفاظ على وحدته ومقدراته. "
لقد سقطت الاوهام الانتخابية من ضمير المواطن العراقي او اوشكت، وسيسقط معها كل الذين وقفوا مع هذه الانتخابات ان كان بالفتوى او بتسويق اوهامها السياسية والسيادية واذا لم يكن سقوطهم من باب الارتباط بالاحتلال وبرامجه فستكون من زاوية الجهل بالواقع وعدم القدرة على قراءات المعطيات السياسية والتعاطي مع مخططات الاحتلال وبرامجه. فإذا كان الذين دعوا المواطن للانتخاب وزينوه له فعلوا ذلك من باب حسن النية فعليهم ان يتنحوا عن قيادته لحاجتهم الشديدة للتأهيل الفكري والسياسي لمحو أميتّهم في هذا المضمار.
ياسر سعد - كندا