مازل المؤرخون والمحللون السياسيون مختلفين حول ايجابيات عبد الناصر وسلبياته ، فمنهم من يضعه فى أعلى قائمة الزعماء الوطنيين، فى الوطن العربى أو فى العالم بأسره، ومنهم من يعتبره من أشد الحكام دكتاتورية وظلما لشعبه ، ولكن لايستطيع أحد أن يشكك فى استطاعة عبد الناصر التمكن من سويداء قلوب الكثير من الجماهير فى العالم العربى ، بل وفى العديد من شعوب العالم الثالث كأمريكا اللاتينية .
ومازالت التساؤلات مثارة حتى الآن عن الأسباب الرئيسة التى جعلته يصل الى هذه الشعبية العالمية الجارفة التى لم يصل الى مستواها غير عدد قليل من الزعماء،ربما لأنه أول زعيم من أصل عربى يجاهر بمعاداة الغرب وأمريكا بروح مليئة بالحماس العاطفة الجياشة ، فضلا عن الحروب العديدة التى شنها عليه الغرب ، ثم مهاجمته المستمرة للسياسات الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط والمتحيزة للكيان الصهيونى،ووقوفه مؤيدا لحركات التحرر فى كثير من بلاد العالم ضد دول الغرب الإستعمارية ، وكذلك مشاركته فى قيادة دول عدم الإنحياز .
وقد استطاع جمال عبد الناصر أن يجمع غالبية العرب والمصريين حول فكرة القومية العربية ، التى تصور أنه بمقتضاها يمكنه أن يحقق الوحدة بين الشعوب والدول العربية ، بعد أن ذاق العرب ويلات الحروب والدمار والضعف والهوان ، نتيجة التشرذم و التفرق، فوجد الكثير من العرب عبد الناصر أملهم المنشود وغايتهم المطلوبة لملأ حالة الفراغ الذى عاشوا فيه ردحا من الزمن .
ظل عبد الناصر - طوال حياته وحتى مماته- يعمل من اجل تحقيق حُلمه العربى ، ولكن على حساب الإسلام والإسلاميين - وخاصة جماعة الإخوان المسلمين- فاعتمد حكما شموليا، بعيدا عن الديمقراطية ، وكمم الأفواه وزج بالكثير من الإسلاميين داخل السجون ، دون النظر الى قدرة العديد منهم على الإبداع والعطاء وقيادة الشعب المصرى نحو التقدم والرخاء ، وذلك فى مجالات كثيرة،وكانت الأغانى والأناشيد والشعارات والأفلام والتمثيليات ، تهدف كلها لترسيخ معانى القومية ،دون اعتمادها على المفاهيم الإسلامية ، الا ماندر باعتبار أن الدين هو مقوم من مقومات القومية العربية ومن الأركان التى تقوم عليها - كما كانوا يعلمون الطلبة فى الكتب المدرسية آنذاك.
كان بامكان عبد الناصر أن يجعل حُلمه اسلاميا معتمدا على حُلمه العربى - فهما لايتناقضان - بل يكمل بعضهما البعض ، وخاصة أن مصر كان الدور عليها لتحمل راية الخلافة الإسلامية التى حلها وأجهز عليها اليهود ومعهم الغرب الصليبى معتمدين على كمال أتاتورك ، وهذا ما ذكره العلامة الشيخ أبو الحسن الندوى فى كتابه الشهير \" ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين \" -، وذلك لما لمصر من موقع استراتيجى وقدرات بشرية كما لها رصيد حضارى عريق ليس لغيرها من البلاد، بلد الأزهر الشريف الذى خرج للعالم الكثير من المفكرين العلماء والمتخصصين فى مجالات شتى ، فضلا عن الزعماء الساسيين والوطنيين - كل فى قطره ،وولا يستطيع أحد أن يشكك فى قدرتها على قيادة وتوحيد الشعوب من حولها لمواجهة أى محتل أو مستعمر ،فى مصر خرج الكثير من الإصلاحيين و قادة الفكر والسياسة والفن والأدب وخاصة فى القرن العشرين بصورة متميزة ، واللذين أثروا فى حياة الشعوب الأخرى، وهذا ما لايستطيع أحد انكاره .
غاب - أو غُيب - عن عبد الناصر أن انشاء الجامعة العربية فى مصر - بالذات - عام 1945 ، كان الهدف الظاهر لتأسيسها على يد الإنجليز وهم ممثلو الغرب الصليبى فى المنطقة حينها هو تجميع العرب تحت مظلة واحدة بقيادة مصرية ، أما الهدف الحقيقى والخبيث هوالعمل المتواصل لتعميق شق الصف الإسلامى الذى انهار بانهيار الخلافة الإسلامية ، ومن ثم ظهرت نعرة القومية العربية والنعرة التركية والنعرة الفارسية ، ومسلمو الهند فى ناحية والمسلمون الباكستان فى ناحية أخرى ، وبات المسلمون فرقا وشيعا ، يحارب بعضهم بعضا ، بل ومنهم من يستنجد بأعداء الإسلام لينصروهم على اخوة لهم فى الدين .
لقد فشل عبد الناصر فى تحقيق حُلم الوحدة العربية ، ولم يفكر ولو للحظة واحدة فى تحقيق الوحدة الإسلامية، بالرغم من وجود مشروع النهضة الإسلامية ، الذى بدأه الإخوان المسلمون بزعامة الإمام الشهيد حسن البنا فى عام 1928 ، وقد اتخذه الكثير من الإسلاميين مرجعية لهم فى أكثر من سبعين دولة ،
إن نكوص مصر عن تحمل دورها الإستراتيجى بقيادة الدول الإسلامية منذ ذلك الحين ،كان سببا فى تأخر العالم الإسلامى عن ركب البشرية ما يقرب من نصف قرن من الزمان ، والمسلمون الآن فى انتظار من يعيد أمجاد مصر على يد صلاح الدين الأيوبى وسيف الدين قظز.
---------
كتبها : محمد شوكت الملط
msh_malt2011@yahoo.com