لم يحظ أي رئيس للبنان بمثل ما حظي به الرئيس إميل لحود، فقد تم تعديل الدستور مرتين كرمى لعينيه، في المرة الاولى، انتهكت حرمة الدستور للتخلص من شرط استقالة موظفي الفئة الاولى قبل سنتين في حال الترشح لرئاسة البلاد، وكان الهدف من ذلك إزالة هذا المانع من وجه لحود ليصبح رئيسا بقرار سوري وتأييد شعبي، وفي المرة الثانية ُعدل الدستور ليتمكن الرئيس لحود من طلب التجديد لنفسه بقرار سوري ايضا ولكن برفض شعبي هذه المرة، وبين التلاعب الاول والثاني بالقواعد العامة والمجردة لصالح فرد محدد ومعلوم، كان رجل سوريا الاول في لبنان يحظى بدعم قوي جدا من دمشق، استغله في الإمساك بمفاصل الدولة، وامتلاك القرار الامني دون منازع، ووظفه تاليا في تهميش رئيس الحكومة ودوره، ثم حاول ابعاده بقانون انتخابات العام 2000 - وهو القانون نفسه الذي صار محل انتقاده بعد ذلك!- لكن الحريري عاد بقوة الشارع، ليستمر الصراع المرير آخذا بطريقه مؤسسة مجلس الوزراء التي صارت معطلة بفعل التجاذبات.. صبر الحريري طويلا على أمل انتهاء الولاية، لكن قرار التمديد الفوقي أجبر الرئيس الشهيد على تمرير الإنتهاك الثاني للدستور "حتى لا تنكسر كلمة سوريا"، إلا أن هذه "التضحية" لم تشفع له عند لحود الذي استمر في مناكفته حتى اخرجه من الحكم، وبعد استشهاد الرئس الحريري، تفجر الغضب الشعبي انتفاضةً أفضت إلى مرحلة جديدة، تغيرت فيها معالم السياسة، وأحجام القوى، وعناوين التخاطب، وتكرست نتائجها بالإنتخابات النيابية الاخيرة، وصارت الاكثرية النيابية والشعبية ضد بقاء لحود في سدة الرئاسة، لكن الاخير ظل يؤكد انه متمسك بمنصبه لغاية آخر يوم من ولايته، بدعوى أنه لم يرتكب الخيانة العظمى وهي السبب الوحيد لإقالة رئيس البلاد وفق الدستور، وللتخلص منه، قد يلجأ النواب إلى إثبات عدم شرعية التعديل الدستوري الذي جرى لصالحه، بقرينة الضغوط السورية عليهم، فإذا ُأبطل التعديل سقط ما نتج عنه حكما، وقد يقوم رئيس الحكومة المكلف بتشكيلة لا وزراء فيها للحود، خلافا لما كان عليه الحال، فيرفض الاخير التوقيع على مرسوم التشكيل فتنشأ أزمة حكم، تضطر المطالبين باستقالة لحود للنزول إلى الشارع بعد تحميله مسؤولية تعطيل المؤسسات الدستورية، وسيلحق أذى كبير بالمكانة المعنوية للرئيس لحود في هذه الحالة، إذ سيصبح رمزا لسقوط السلطة السابقة، ولن تكون الحال أفضل إذا ما بقي في بعبدا ضعيفا ومحاصرا بالمطالبات المتكررة بالإستقالة، لكن ثمة سبيل آخر يحفظ للحود انجازاته التي يتغنى بها، وعلى رأسها توحيد الجيش وحفظ المقاومة، عليه الإستقالة طوعا، عليه أن يمتلك الجرأة الكافية ليقوم بهذه الخطوة الحاسمة، حبا بلبنان، وصونا للوحدة الوطنية، وحفظا لكرامته وموقع الرئاسة الاولى، ويكفي سيد بعبدا أن يسترجع شريط ذكرياته، ليسمع أصوات الترحيب بقدومه في 15-10-1998 وقد استحالت صراخا يطالبه بالرحيل، فإذا لم تسعفه الذاكرة فلعل أرشيف القصر الرئاسي يمده بالأشرطة الصوتية والمرئية، وكذلك بالصحف والمطبوعات التي تجسد الدعم الشعبي لخطاب القسم قبل أن يصبح هذا الخطاب شيئا من هذه الذكريات.
لقد كان الاولى بالرئيس أن يوفر على لبنان والشقيقة سوريا كل المصائب التي جرها التمديد بإعلانه عدم رغبته به، فيخرج حينها موفور الجانب، محترم الموقف، أما وقد حصل ما حصل فإن المرجو من لحود الآن ان يستقيل لأسباب كثيرة أهمها:
1- الفشل في تنفيذ خطاب القسم، فشعار دولة القانون لم يتحقق، والفساد والطائفية والمذهبية في ازدياد، والديون تثقل كاهل المواطن، ومن غير المقبول أن يبقى لحود رئيسا بعد سبعة أعوام فاشلة من عهده، تحول فيها لبنان إلى دولة أمنية، لم تبق من الحياة السياسية شبرا إلا دخلت إليه.
2- سقوط هيبة لحود في أعين اللبنانيين، لا سيما بعدما خالفت أفعاله أقواله في عدم طلب شيء لنفسه، وفي احترام الإعلام والإعلاميين، وفي مناكفاته الضيقة، وتصريحاته السيئة، الامر الذي أبعده عن أن يكون فوق التجاذبات.
3- التغيرات السياسية التي أصابت لبنان بعد استشهاد الرئيس الحريري، فقد أصبح لحود بموجبها بمثابة رئيس لعهد مضى، ولا يملك المقومات الموضوعية للإستمرار، ولو كان الدستور يجيز له ذلك، فالرئاسة ليست مجرد نص جامد، بل ثقة وتأييد وبرنامج.
4- عدم شرعية التعديل الدستوري الذي جرى لصالحه، لا سيما بعد انسحاب الدور السوري الذي كان وراء ذلك، والآثار الكارثية التي جرها التمديد، ومطالبته من قبل اغلبية النواب بالإستقالة.
5- انهيار الوضع الامني الذي أمسك به لحود طيلة الفترة الماضية بكل زمامه، وعجزه عن إيقاف مسلسل الإغتيالات الطويل، وتحمله المسؤولية التقصيرية في ذلك.
إن آخر شيء ما كان يتوقعه اللبنانيون من رئيسهم، غير الإستقالة، أن يلقي التهم جزافا، في الاحداث الامنية التي يشهدها لبنان، و كلامه الاخير عن الاصوليين والعلاقة الطيبة بالرئيس الحريري!!، دليل جديد على أن الرئيس مازال لا يقرأ الصحف، وتاليا لا يدري كيف يُخرج نفسه من المأزق الذي وضع نفسه ولبنان وسوريا به.