أسبوع منتصف تموز الذي شهد مواجهات مؤسفة مع الأجهزة الأمنية على أرض قطاع غزة، تم فيه توقيف حركة "حماس" -طرف المواجهة الآخر- في قفص اتهام النوايا التي أطلقت من مصادر مختلفة، رفيعة، رسمية ومسؤولة، في السلطة الفلسطينية ووزاراتها وأجهزتها، وكذلك داخل حركة فتح على مستوى القادة البارزين وأعضاء في اللجنة المركزية.
جملة من الاتهامات رُشöقَت بها حماس مع بدء الأحداث وما تلاها، تعددت صياغاتها ومحورها واحد، وهو أن الحركة عاقدة العزم على تقويض السلطة والنيل من "وحدانيتها" على الأرض الفلسطينية، وترافق ذلك مع تفعيل اصطلاح "إقصاء الآخر" في لغة البيانات والتصريحات الصحافية للدلالة على أن هدف حماس من كل هذه المواجهة ليس الرد على خروقات وجرائم العدوان الإسرائيلي، وإنما التمهيد لحالة تستقوي فيها حماس على السلطة وأجهزتها، وبالتالي "الاستيلاء عليها بالطرق المشروعة وغير المشروعة وبإراقة الدم إذا لزم الأمر" كما جاء في بيان حركة فتح الصادر يوم الجمعة 15/07/2005م.
وبعيدا عن مسببات تلك الأزمة، ومن البادئ وكيف؟! ومتى أطلقت نيران شرارتها على المجموعة القسَّامية قبل تنفيذ مهمتها أم بعدها؟! ولماذا صودرت أدوات الصحافيين الإعلامية التي غطت عملية المواجهة ويمكن بها الاستدلال وتحميل المسؤوليات؟!!.. بعيدا عن ذلك كله، فإنه من الضروري التنبه إلى أن اتهامات النوايا التي تقذف بها حماس مع كل أزمة، تصدر غالبا من ذات الأفواه، لتصبح "نوايا حماس المبيتة في تقويض السلطة" الذريعة القديمة الجديدة لتأليب الرأي العام ضد الحركة، وليتم إثر ذلك شرعنة عملية مواجهتها وضربها، ولو بالقوة العسكرية وإراقة الدماء، كما اتضح ذلك من أمر عمليات رقم (1) المصنف (سري للغاية) الصادر عن وزارة الداخلية بتاريخ 07/06/2005م، أي قبل أكثر من شهر من نشوء الأزمة، فماذا كانت نوايا هذا الأمر إذن؟!!.
لعل أمر البعض في حالتنا الفلسطينية، يذكرنا بالجنرال خالد نزار، الذي وتحت ذريعة النوايا المبيتة، قاد الجزائر إلى حرب داخلية دموية، عقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أول انتخابات حرة شهدتها البلاد بعد تسلط جبهة التحرير الوطني واحتكارها السلطة لثلاثة عقود. وفي التحقيقات التي أجريت بعد سنوات طويلة من القتل والإرهاب في الجزائر، ثبت بأن نزار كان متورطا رئيسيا في إرسال وحدات الموت برداء الجماعات الإسلامية لقتل الأبرياء الآمنين، وقد أعدمت في هذا الإطار قرى بأكملها.
ليس من قانون أو نظام يحاكم الناس بنواياهم، ولكن مختلف القوانين واللوائح والأعراف والشرائع، تحاكم الناس على أفعالهم، والأفعال التي يجب أن توضع في قفص الاتهام في حالتنا الفلسطينية عديدة، تبتدئ بمحاكمة الفساد عنوانا وأبطالا، وكثير من أبطاله لا زالوا يتربعون عروشهم، ويرتعون في المقدرات العامة، ومحاكمة الاتفاقات الداخلية التي تمت مع فصائل العمل الوطني والإسلامي، وأهمها في هذه المرحلة تشكيل المرجعية الوطنية للإشراف على انسحاب الاحتلال المنتظر من القطاع، والتي لم تنفذ، رغم الموافقة عليها من قبل الرئيس الفلسطيني، ومعارضة كثير من المتنفذين الذين تدفق سيل اللعاب من أفواههم طمعا بمغانم مأمولة، تذكرنا بعمليات الاستيلاء على الممتلكات العامة في غزة قبل عدة شهور، ويتملكهم الآن شعور التلذذ بحرمان الشعب الفلسطيني أولى ثمار شعوره بالنصر إثر ذاك الانسحاب.. وليس أخيرا، محاكمة قرار تأجيل الانتخابات التشريعية لآجال غير مبررة، والذي لا يمكن تفسيره إلا انقلابا سياسيا بقرار رسمي، على حرية الأفراد ورغباتهم التي صدحت بها صناديق الاقتراع في الجولات الانتخابية الماضية، فأقضت مضاجع أصحاب الهواجس ومفتشي النوايا.
أليست هذه الأفعال وغيرها، الاستئثار بالنفوذ والاستمساك بسيف السلطة والعض على جذور الجاه بالنواجذ، هي التي تستحق المحاكمة، والنظر إليها بعين الريبة، كونها أفعال أكثر ما تؤمن به إقصاء الآخر والإبقاء على الذات ومصالحها؟!!.
من الخطأ الفادح أن يقوم أحدهم بكذب كذبة، غير أن الخطأ الأكثر فداحة وجسامة، أن يقوم ذاته بتصديقها، وكذبة "نوايا حماس المبيتة" التي يرهن الكثيرون أنفسهم لها بين الفينة والأخرى، جاءت هذه المرة في منتصف تموز الحار، بشمسه الساطعة، التي ألهبت حرارتها ألسنتهم، وهم يمعنون في إذكاء روح التحريض عبر وسائل الإعلام، مع إدراكهم أن لا مطامع لِ"حماس" في السلطة ولا أجهزتها، حيث لم تطمع بها في أوج عزّöها، كما صرّح كثيرون في الحركة.. ومن يدري؟! فربما تطمح حماس إلى أكبر من السلطة ونفوذها.. حسب قول آخرين.. في إشارة إلى نفوذ الجماهير التي كان وسيكون لها القول الفصل أمام صندوق الانتخاب.
يوسف العمايرة – الخليل
yamayreh@yahoo.com