تطوير النظام التربوي الحالي :
الديمقراطية تربية بالدرجة الأولى ، أو كما يقول البعض ( النفوس قبل النصوص ). فما فائدة القوانين واللوائح في جو لا يؤمن بالتعددية الفكرية . خاصة ونحن معشر العرب عامة والمصريين خاصة لم نتربى تربية ديمقراطية من الأساس ، ومجتمعنا كما وصفه الدكتور جمال حمدان ( مجتمع أبوي ) بحكم جذوره التاريخية . لذلك فنقطة البداية هي التربية وتوفير بيئة المشاركة وإتاحتها للجميع ، وتعليم الصف آداب وقوانين الديمقراطية .
أولاً - تكريم المبدع ومكاشفة المتأخر:
للجو النفسي والسياسي الذي يعيش فيه الفرد داخل جماعته البشرية أثر كبير في تحديد مدى فاعليته ومشاركته في حمل همومها وعلاج سلبياتها . ( فبما رحمةٍ من الله لöنتَ لهم ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك ) آل عمران 159 . وللأسف فهناك جو نفسي أُلبس ثوب الدين يكرس حالة اللامبالاة التي يعيشها البعض، ومنها عدم الفهم الصحيح للدوافع البشرية الفطرية واعتبارها أحياناً منافية للإخلاص والتجرد .
وفي البيئة الديمقراطية المتدينة لا مانع من أن يُكرّم المبدع ويُحتفي بالمشارك ، كما أنه من حق المختلف أن لا يعاقب بتجميده داخل مرحلته الدعوية لمدد تصل بالبعض لعشر سنوات دون أن يعرف لذلك سبباً . فالتقييم والتقويم عنصران حاسمان في تعزيز المشاركة وتحفيز الإبداع . وأذكر أنه قد جمعني يوماً حديث طويل مع رجل فاضل في موضع المسئولية داخل الإخوان. واستدعى الحوار في أحد مراحله أن يقول لي محدثي أن " الإخوان أفراد متجردون وربانيون ولا يوجد بينهم من ينزع إلى رئاسة أو ينشغل بتقييم سنوي " .. فاعترضت علي هذا الوصف المبالغ فيه، لأنه يحرم فرد الإخوان تحت دعاوى التجرد والنزاهة من المطالبة بالكثير من الحقوق التي يتمتع بها الإنسان العادي في مؤسسته أو حزبه أو جماعته. وقلت أنه لا يعيب فرد الإخوان أن يكون بشراً عادياً يميل إلى كل ما يميل له الإنسان العادي، من حب للتقدير ونزوع أحياناً لتولي المسئولية ورغبة في الصدارة .. إلى غير ذلك من النوازع البشرية الفطرية التي يهذبها الإسلام ولا يمنعها. ويكفيه شرفاً أنه إنسان متطوع يعمل في جماعة محظورة ويتحمل المخاطر ويبذل من وقته وجهده وماله في وقت توحشت فيه ( الأنامالية ) بين كثير من الناس العاديين .فللإنسان دوافع فطرية لكي يعمل وينتج ، بحثها أهل العلم والاختصاص ووجدوا على رأسها دافعاً أدهشني معرفته في حينه ألا وهو دافع الرغبة في الحصول على تقدير الآخرين . وهو ما وصفه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه ( عاجل بشرى المؤمن ) . وللأسف فإن إهمال هذا الدافع البشري في الحصول على التكريم والتقدير الأدبي، وعدم العناية الكافية بإشباعه من قيادات العمل تحت مظنة التجرد قد أصاب لكثيرين ولا يزال بدرجة من درجات الإحباط المعنوي الذي يتأخر بصاحبه ولا يتقدم، ويجعله يحجم عن المشاركة الفعالة لأنه يظن أن إنجازه مهملاً من إخوانه. فالتكريم المعنوي يُشعر الفرد بأن إنجازه محل تقدير من جماعته . وهو التكريم الذي كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يحرص عليه مع أصحابه دائماً . فيدعوا لهذا ويصف ذاك بأنه أحب الناس إليه ويبشر البعض بالجنة. وقد أظهرت لنا السيرة كيف كان الصحابي يطير فرحاً بهذا التقدير . وهو نفس النهج الرباني في تقدير أصحاب الهمم العظيمة من المسلمين مثل قوله تعالي فيمن شاركوا في بيعة الرضوان ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ). وغير ذلك من الآيات ومواقف السيرة الكثير مما لا يسع المقام لحصره.
تطوير أدوات التقييم :
نحن نعتقد أن نظام التقييم الحالي بتركيزه على الجوانب التربوية فقط وقصرها على الصفات الإيمانية ومفردات الطاعة التنظيمية مثل المواظبة على اللقاءات الأسرية وحضور الكتائب والتحضير والإنصات الجيد.. الخ ، نحن نعتقد أنه بهذا لا يفرد مجالاً للمخالف أو يحتفي بالمختلف . وأنه يعزز صورة واحدة فقط للإجادة هي الصورة المعروضة في الثلاثة وعشرين بنداً الخاصة بالتقييم . ولا شك في أن من تنطبق عليه هذه العناصر هو إنسان فاضل ، ولكن ما المانع من يكون للشخص الصالح للدعوة صوراً أخرى . فقد يكون هناك شخص قليل المواظبة على الحضور ، غير متجاوب مع بعض القوالب التربوية ، ولكنه ذا موهبة إدارية أو نشيط حركياً أو مثقف فكرياً أو متميز مهنياً .. الخ فتفتح له أيضاً مسارات الترقي وبنفس السرعة ويستثمر فيما يبرع فيه . وعليه فنحن نرى قصر التقييم الذي تقوم به التربية ممثلة في نقيب الأسرة ومسئول التربية على أربعة بنود أساسية تتناول الثوابت الأساسية من الإيمان بأهداف الجماعة ، واتخاذ الإسلام مرجعية ، واجتناب الكبائر وأداء الفرائض . ثم ترك باقي بنود التقييم للجان تضعها على ضوء عناصر أخرى مثل الدقة والكفاءة والتضحية والبذل والمشاركة بالرأي .. الخ فإن هذا التقييم يمكن أن يكون أكثر إيجابية ويسع الجميع دون تنميط .
كما أن نظام التقييم السري الحالي يجرح مشاعر الآخرين ممن لم يحسنوا الأداء، وذلك بعدم مكاشفتهم بأسباب تأخرهم عن غيرهم. فالفرد في الأسرة يجد أن زميلاً له قد رقي للمستوى الدعوي الأعلى بينما هو لا يزال مكانه. وهو في قرارة نفسه شأنه شأن كل البشر يرى نفسه رجل إنجاز وحسن أداء. وقد يكون القليل الذي قدمه قد أخذ منه أضعاف الجهد الذي قدمه الآخر المتميز ، وذلك نظراً ربما لضيق وقته أو صعوبة ظروف عمله أو مشاغله الأسرية لكثرة أبناءه أو ظروف تعليمهم أو غير ذلك. فرب درهم سبق ألف درهم . فيجد العضو عند ذلك في نفسه. وقد وصل الأمر بالبعض إلى الخروج تماماً من الصف أو مكابدة شعور عميق بالإحباط . وهو بالطبع لا يستطيع أن يناقش تقريره لأنه أولاً لا يسمح له بالإطلاع عليه ولا يلمس إلا نتائجه . وثانياً لأن الرد معروف وهو الحديث عن التجرد ونكران ألذات وربانية العمل ..مما يلجم الألسن ويفتح الباب في المقابل لسوء الظن بالنفس أو الغير.
لذلك ونحن لا زلنا في معرض الحديث عن تقديم الفرص المتساوية للجميع المختلف منهم والمتفق ما دام الكل يعمل في نطاق ثوابت وأهداف الجماعة أن يتم الآتي:
1- تعديل نظام التقييم وجعله لا يرتكز فقط على الجانب التربوي ولكن يشمل جوانب أخرى من الأداء . وذلك بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام متساوية :
ثلث يقوم به مسئول الأسرة والتربية ويرتكز كما هو الحال الآن على الأداء التربوي للعضو .
ثلث يقوم به مسئول اللجنة الدعوية ويرتكز على إنجاز العضو في لجنته .
ثلث يرتبط بمساهمات الفرد الفكرية ونشاطه في ابتكار واقتراح وسائل إيجابية للنهوض بالعمل ، وتقوم به الجهة المنوط بها تلقي إسهامات الفرد .
2- وضع لائحة تضم معايير التقييم وإتاحتها للجميع والسماح للعضو بمناقشتها وإعطاءه دورة فيها .
3 - البدأ بالتقييم من العضو نفسه، بإعطائه استمارة تقييم تضم عناصر التقييم الرئيسة . مع السماح له بإعطاء نفسه درجة في كل بند . وتوضع له خانة يذكر فيها المعوقات التي تمنعه من الأداء الجيد في هذا البند أو ذاك . وإذا جاء تقييمه لنفسه قريباً من تقييم مسئولي العمل أو أقل منه فبها ونعم. وإذا كان غير ذلك فتتم مناقشته على انفراد وتذكر له إيجابياته وكذلك ما يراه المسئول من سلبيات، ويتم مناقشته في أسبابها، وتقترح معه الحلول لعلاجها. بحيث أن من يحصل على تقدير ضعيف تكون أسباب هذا الضعف قد اتضحت أبعادها تماماً له وللمسئول، والذي ينتقل بعدها لتقديم العلاج المحدد والذي يتناول أصل الداء. بدلاً من الاكتفاء بنقد الأداء فقط كما يحدث غالباً الآن.
4- إذا كان التقرير إيجابياً فيمنح المتميز شكلاً من أشكال التكريم المعنوي، والتي تبتكر خصيصاً لهذا الغرض: كحفل تكريم للمتميزين يحضره أعلى مستوى قيادي ممكن، أو تسليمه هدية رمزية ككتاب أو مصحف ، أو منحه لقب شرفي ( كفارس ) .. أو غير ذلك . ونفس الشيء يتم مع من يقوم خلال العام بعمل دعوي متميز أو يقدم اقتراح بناء أو يتم حفظ القرآن ..الخ.
ومن مزايا هذه الوسيلة مقارنة بأسلوب التقييم السري الحالي :
معرفة الفرد لبنود التقييم يساعد على حسن الأداء . حيث أن دافع القبول الاجتماعي دافع فطري كما أسلفنا ولا مانع من استغلاله كحافز جيد على حسن العمل .
معرفة الفرد لشروط التقييم ومشاركته فيها يجعله أكثر تقبلاً لنتائجه. مما يقضي على الضغط النفسي الناتج عن التقييم السري. ويقضي على اتهام العضو للقائمين علي التقييم بعدم الموضوعية أو غير ذلك مما يجري الآن همساً أحياناً وتصريحاً أحياناً أخرى .
إتاحة الفرصة لغير المجيدين لذكر أعذارهم ومناقشتهم فيها بروح الود والأخوة ومساعدتهم على التغلب عليها. مما يعد إضافة جيدة لتطوير أداء الفرد والتعرف المباشر منه على المعوقات التي تواجهه .
هذه المناقشة مع غير المجيدين قد تساعد الإدارة على إعادة توجيههم لأقسام أخرى أكثر تناسباً مع قدراتهم.
مشاركة العضو في تقييم نفسه بشكل ابتدائي، وإن لم تكن هي الفيصل، إلا أنها سترضي الفرد نفسياً وستساعد المسئول على معرفة الفجوة – إن وجدت – بين نظرة العضو لنفسه وحقيقة أداءه، مما يساعد على فهمه ومساعدته .
تكريم المجيدين سيكون دافعاً جيداً لهم ولغيرهم على البذل وتطوير الأداء .
هذا الأسلوب المتطور في التقييم وبما يتيحه من مشاركة للعضو فيه، ومناقشة السلبيات معه، ومساعدته على علاجها سوف تزيد الفرد حباً في دعوته وشعوراً بأهميته فيها واستشعاراً لمدى حرصها عليه .
2- تعديل المناهج لتسمح بتنوع الرؤى :
المناهج نوعان : منهج تربوي يهدف إلى تأصيل الإيمان وتقوية المرجعية الدينية للفرد كأساس للعمل والانتماء وهذا من الحتميات ويُبذل فيه حالياً من الجهد الطيب الكفاية . ومنج تكويني وهو منهج يهدف إلى مساعدة الفرد على إدراك حقائق الأحداث من حوله ومعرفة الوسائل التي يستطيع بها تنزيل الدين على الواقع . وهو منهج لا يقف عند حدود تقديم المعارف الدينية ولكن يتناول دراسة أدوات فقه الواقع . ونحن نرى ضرورة البدأ به وإدخاله إلى البرامج التربوية والمناهج الأسرية والدورات التدريبية .