مدلولات صلح في القرآن الكريم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين :-
( الحياة في ظلال القرآن نعمة . نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها . نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه. والحمد لله . . لقد منَّ علي بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان ، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي . ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه .
لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدث إلي بهذا القرآن . . أنا العبد القليل الصغير . . أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل ؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل ؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم ؟ )
قمت ببحث عن (مدلولات صلح في القرآن الكريم)،
وخطتي في البحث بهذا الشكل :
المقدمة
الفصل الأول:- الصيغ التي وردت (صلح) بها في القرآن الكريم.
المبحث الأول :- أكثر الصيغ التي وردت (صلح) بها.
المبحث الثاني :- الصيغ الأخرى التي وردت (صلح) بها.
الفصل الثاني:- مدلولات صيغ (صلح).
المبحث الأول :- مدلولات ( صلح ) في اللغة وعند الأصوليين.
المبحث الثاني:- مدلولات (صلح)في القرآن الكريم .
ثم الخاتمة، والمصادر والمراجع، والفهرست، وبهذا قد أتممت هذا البحث......ولله الحمد والمنة, ولا تنسوني من دعاء الخير..........
المبحث الأول :- أكثر الصيغ التي وردت (صلح) بها.
عندما يتصفح المرء كتاب الله –القرآن الكريم- يرى أن صلح أتى على صيغ كثيرة ، وسنذكر في هذا المبحث أكثر الصيغ التي ذكرت في القرآن الكريم ونأتي بأدلة لها .
صيغة (صَلَحَ) على وزن (فَعَلَ) من الثلاثي المجرد، ( ) ، ووردت صيغة (صلح ) بكافة صيغها ومشتقاتها(169) مرة في القرآن الكريم.
فأكثر صيغ (صلح) أتت بصيغة جمع التكسير(الصالحات) فوردت (62) مرة، وأتت متلازمةً للأيمان ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات) في القرآن الكريم (53) مرة، ووردت(الصالحات)منفردةً (9) مرات.
كقوله تعالى: ((بَشّöرö الَّذöينَ آمَنُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرöي مöنْ تَحْتöهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزöقُوا مöنْهَا مöنْ ثَمَرَةٍ رöزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذöي رُزöقْنَا مöنْ قَبْلُ وَأُتُوا بöهö مُتَشَابöهًا وَلَهُمْ فöيهَا أَزْوَاجñ مُطَهَّرَةñ وَهُمْ فöيهَا خَالöدُونَ))( ) ، وقوله تعالى:(( وَالْعَصْرö * إöنَّ الْإöنْسَانَ لَفöي خُسْرٍ * إöلَّا الَّذöينَ آمَنُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö وَتَوَاصَوْا بöالْحَقّö وَتَوَاصَوْا بöالصَّبْرö ))( ) ، وهكذا في كل الآيات.
ووردت صيغة (الصالحات) بدون (الذين آمنوا) كما في قوله تعالى:(( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زöينَةُ الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَالْبَاقöيَاتُ الصَّالöحَاتُ خَيْرñ عöنْدَ رَبّöكَ ثَوَابًا وَخَيْرñ أَمَلًا))( ) .
ووردت ( صلح) بصيغة (صالحاً) ، (30) مرة ، كما يقول سبحانه وتعالى :(( مَنْ عَمöلَ صَالöحًا مöنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمöنñ فَلَنُحْيöيَنَّهُ حَيَاةً طَيّöبَةً وَلَنَجْزöيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بöأَحْسَنö مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))( ) .وكقوله سبحانه وتعالى :(( مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهö كُفْرُهُ وَمَنْ عَمöلَ صَالöحًا فَلöأَنْفُسöهöمْ يَمْهَدُونَ ))( ).
وورد (صلح) بصيغة (الصالحين)( ) (23) مرة بالياء ، ووردت بالواو (الصالحون) (3) مرات، كقوله تعالى:(( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مöلَّةö إöبْرَاهöيمَ إöلَّا مَنْ سَفöهَ نَفْسَهُ وَلَقَدö اصْطَفَيْنَاهُ فöي الدُّنْيَا وَإöنَّهُ فöي الْآخöرَةö لَمöنَ الصَّالöحöينَ))( ) ، وكقوله تعالى :(( وَيُكَلّöمُ النَّاسَ فöي الْمَهْدö وَكَهْلًا وَمöنَ الصَّالöحöينَ))( ) ، وكقوله تعالى ((وَأَنَّا مöنَّا الصَّالöحُونَ وَمöنَّا دُونَ ذَلöكَ كُنَّا طَرَائöقَ قöدَدًا))( ) .
ووردت (صلح) بصيغة (صالح ) مفردا ، ولكن لا كإسم نبي ، حيث وردت (3) مرات, كقوله سبحانه وتعالى:(( إنْ تَتُوبَا إöلَى اللَّهö فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإöنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهö فَإöنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجöبْرöيلُ وَصَالöحُ الْمُؤْمöنöينَ وَالْمَلَائöكَةُ بَعْدَ ذَلöكَ ظَهöيرñ ))( )،
ووردت (صلح) مزيدا فيه بحرف بصيغة (أصلح)( ) ، (20)مرة مفرداً وجمعاً، ، كما في الآيات التالية: بصيغة المفرد يقول سبحانه وتعالى: ((وَإöذَا جَاءَكَ الَّذöينَ يُؤْمöنُونَ بöآيَاتöنَا فَقُلْ سَلَامñ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسöهö الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمöلَ مöنْكُمْ سُوءًا بöجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مöنْ بَعْدöهö وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورñ رَحöيمñ))( ) ، وكقوله سبحانه تعالى:(( يَا بَنöي آدَمَ إöمَّا يَأْتöيَنَّكُمْ رُسُلñ مöنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتöي فَمَنö اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفñ عَلَيْهöمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ))( ) ، وبصيغة الجمع كقوله سبحانه تعالى:(( إöلَّا الَّذöينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئöكَ أَتُوبُ عَلَيْهöمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحöيمُ))( ) ، كقوله وتعالى:((ثُمَّ إöنَّ رَبَّكَ لöلَّذöينَ عَمöلُوا السُّوءَ بöجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مöنْ بَعْدö ذَلöكَ وَأَصْلَحُوا إöنَّ رَبَّكَ مöنْ بَعْدöهَا لَغَفُورñ رَحöيمñ))( ).
المبحث الثاني :- الصيغ الأخرى التي وردت (صلح) بها
ووردت (صلح ) بصيغ أخرى ، منها(صالح) كإسم لنبي من أنبياء الله عليهم السلام( )، فحيث ورد(9) مرات ذكره في القرآن الكريم، كما يقول الله تعالى: ((فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرö رَبّöهöمْ وَقَالُوا يَا صَالöحُ ائْتöنَا بöمَا تَعöدُنَا إöنْ كُنْتَ مöنَ الْمُرْسَلöينَ))( ).
ووردت (صلح) مجرداً، مفردا وجمعا (12) مرة، كقوله تعالى((رَبَّنَا وَأَدْخöلْهُمْ جَنَّاتö عَدْنٍ الَّتöي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مöنْ آبَائöهöمْ وَأَزْوَاجöهöمْ وَذُرّöيَّاتöهöمْ إöنَّكَ أَنْتَ الْعَزöيزُ الْحَكöيمُ)) ( ) وكقوله سبحانه وتعالى أيضاً:(( وَلَا تُطöيعُوا أَمْرَ الْمُسْرöفöينَ * الَّذöينَ يُفْسöدُونَ فöي الْأَرْضö وَلَا يُصْلöحُونَ))( ) .
ووردت (صلح) بصيغ (إصلاح)، فحيث وردت (7) مرات، كما يقول سبحانه وتعالى :(( وَيَسْأَلُونَكَ عَنö الْيَتَامَى قُلْ إöصْلَاحñ لَهُمْ خَيْرñ وَإöنْ تُخَالöطُوهُمْ فَإöخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسöدَ مöنَ الْمُصْلöحö وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إöنَّ اللَّهَ عَزöيزñ حَكöيمñ))( ) وكقوله تعالى أيضاً:(( وَلَا تُفْسöدُوا فöي الْأَرْضö بَعْدَ إöصْلَاحöهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إöنَّ رَحْمَتَ اللَّهö قَرöيبñ مöنَ الْمُحْسöنöينَ))( ).
الفصل الثاني المبحث الأول :- مدلولات ( صلح ) في اللغة وعند الأصوليين.
دلالات صلح :في اللغة:-
( فصلح ، أي زال عنه الفساد والشيء كان نافعا أو مناسبا يقال هذا الشيء يصلح لك. وأصلح في عمله أو أمره أتى بما هو صالح نافع ، وأصلح الشيء أزال فساده، و أصلح بينهما أو ذات بينهما أو ما بينهما أزال ما بينهما من عداوة وشقاق. ( صالحه ) مصالحة وصلاحا سالمه وصافاه ويقال صالحه على الشيء سلك معه مسلك المسالمة في الاتفاق. و( اصطلح) القوم زال ما بينهم من خلاف وعلى الأمر تعارفوا عليه واتفقوا و( تصالحوا ) اصطلحوا.
( استصلح ) الشيء تهيأ للصلاح والشيء أصلحه وطلب إصلاحه وعده صالحا.
( الاصطلاح ) مصدر اصطلح واتفاق طائفة على شيء مخصوص ولكل علم اصطلاحاته.
( الصالح ) المستقيم المؤدي لواجباته ( جمع ) صلحاء وربما استعمل في الكثير الوافر فيقال عنده قدر صالح من المال ويقال واتتني صالحة من فلان نعمة وافرة.
( الصلاح ) الاستقامة والسلامة من العيب.
( الصلاحية ) الاتساق في عمل ما والصلاحية للعمل حسن التهيؤ له والصلاحية لذي السلطان مدى ما يخوله القانون التصرف فيه ( محدثة ) و( في التربية وعلم النفس ) قدرة طبيعية على اكتساب أنماط معينة من السلوك . ( الصلح ) إنهاء الخصومة وإنهاء حالة الحرب والسلم وقد يوصف بالمصدر فيقال هو صلح لي وهم لنا صلح مصالحون ، و( الصليح ) الصالح.
( المصلحة ) الصلاح والمنفعة وهيئة إدارية فرعية من وزارة تتولى مرفقا عاما يقال ( مصلحة المساحة ) و( مصلحة الضرائب ))( ).
دلالة (صلح ) عند الأصوليين:-
يتحدث الأصولييون عن الصلاح في باب الأهلية ، حيث يبينون من له الأهلية أي الصلاحية ومن ليس لديه الأهلية ,فمثلا عندما يتحدث العلامة عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري ( ) ، عن الأهلية فيقول: (أهلية الإنسان للشيء صلاحيته لصدور ذلك الشيء وطلبه منه وهي في لسان الشرع عبارة عن صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه وهي الأمانة التي أخبر الله عز وجل بحمل الإنسان إياها بقوله: {وَحَمَلَهَا الْأöنْسَانُ} [الأحزاب: 72])( ).
وعندما يذكر العلامة (البزدوي)( ) ، أقسام الأهلية يوضح مسألة الصلاحية فيها، فيقول(وما يتصل بها الأهلية ضربان أهلية وجوب وأهلية أداء إما أهلية الوجوب فينقسم فروعها واصلها واحد وهو الصلاح للحكم فمن كان أهلا لحكم الوجوب بوجه كان هو أهلا للوجوب ومن لا فلا وأهلية الأداء نوعان كامل يصلح للزوم العهدة و قاصر لا يصلح للزوم العهدة إما أهلية الوجوب فبناء على قيام الذمة وان الآدمي يولد وله ذمة صالحة للوجوب بإجماع الفقهاء رحمهم الله بناء على العهد الماضي قال الله تعالى:((وَإöذْ أَخَذَ رَبُّكَ مöنْ بَنöي آدَمَ مöنْ ظُهُورöهöمْ ذُرّöيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسöهöمْ أَلَسْتُ بöرَبّöكُمْ قَالُوا بَلَى شَهöدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقöيَامَةö إöنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافöلöينَ))( )، وقال تعالى:((وَكُلَّ إöنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائöرَهُ فöي عُنُقöهö))( )، هذا من كلام البزدوي ( )).
المبحث الثاني:- مدلولات (صلح)في القرآن الكريم
هذا المبحث هو الأهم في هذا البحث حيث سنبين بإذن الله معاني ومدلولات صلح بكل الصيغ التي وردت في القرآن الكريم، وسنسرد كل الأماكن التي لها معنى أو مدلول خاص.
أكثر الصيغ الواردة هي (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فمعنى الصالحات هي: (جملة الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف )( ) ، أوكما يقول آخر هي:(الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان رضي الله عنه { وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö } أي أخلصوا الأعمال كما قال \"فليعمل عملا صالحا\"( 110-الكهف )، أي خاليا من الرياء. قال معاذ: العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء. العلم، والنية، والصبر، والإخلاص.)( ).
وقيل ({الَّذöينَ آمَنُوا} بقلوبهم {وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö} بجوارحهم، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، يزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.) ( ).
ومعنى (الصالحات) تتوقف معناها على ما قبلها ، فجاءت صفة للنساء المؤمنات كما في قوله سبحانه و تعالى:(( فَالصَّالöحَاتُ قَانöتَاتñ حَافöظَاتñ لöلْغَيْبö بöمَا حَفöظَ اللَّهُ)) ( )، ({فَالصَّالöحَاتُ} أي:من النساء{قانöتَاتñ} قال ابن عباس وغير واحد:يعني مطيعات لأزواجهن{حَافöظَاتñ لöلْغَيْبö}، قال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله.وقوله: { بöمَا حَفöظَ اللَّهُ } أي: المحفوظ من حفظه)( ).
وجاءت بمعنى آخر كما في قوله تعالى:(( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زöينَةُ الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَالْبَاقöيَاتُ الصَّالöحَاتُ خَيْرñ عöنْدَ رَبّöكَ ثَوَابًا وَخَيْرñ أَمَلًا ))( )، فالباقيات الصالحات تشمل (جميع الطاعات الواجبة والمستحبة من حقوق الله، وحقوق عباده، من صلاة، وزكاة، وصدقة، وحج، وعمرة، وتسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وصلة رحم، وبر الوالدين، وقيام بحق الزوجات، والمماليك، والبهائم، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق، كل هذا من الباقيات الصالحات)( ).و (قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: \"الْبَاقöيَاتُ الصَّالöحَاتُ\" الصلوات الخمس.
وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: \"الْبَاقöيَاتُ الصَّالöحَاتُ\" سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)( ).
ووردت (عمل صالحاً) بصيغة المفرد ونكرة ، وله نفس معنى (عملوا الصالحات) وقيل أي :(العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه)( ).
ووردت (صالحاً) بدون ذكر العمل قبله كقوله تعالى:(( هُوَ الَّذöي خَلَقَكُمْ مöنْ نَفْسٍ وَاحöدَةٍ وَجَعَلَ مöنْهَا زَوْجَهَا لöيَسْكُنَ إöلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفöيفًا فَمَرَّتْ بöهö فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئöنْ آتَيْتَنَا صَالöحًا لَنَكُونَنَّ مöنَ الشَّاكöرöينَ))( )، أي:( صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه)( ), وقيل(أن يكون الحمل غلامًا، وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًّا مثلهما، ولا يكون بهيمة)( ).
ووردت صيغة (صالحاً) بمعنى الصفة كما في قوله تعالى:(( وَأَمَّا الْجöدَارُ فَكَانَ لöغُلَامَيْنö يَتöيمَيْنö فöي الْمَدöينَةö وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزñ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالöحًا))( ).
ووردت (الصالحين والصالحون) كصفة للمؤمنين وأكثر ما ذكر بعد ذكر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى:(( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مöلَّةö إöبْرَاهöيمَ إöلا مَنْ سَفöهَ نَفْسَهُ وَلَقَدö اصْطَفَيْنَاهُ فöي الدُّنْيَا وَإöنَّهُ فöي الآخöرَةö لَمöنَ الصَّالöحöينَ ))( )، ( و\"الصالح\" من بني آدم: هو المؤدي حقوق الله عليه)( ).
ووردت صيغة (صالح) لا كإسم للنبي (صالح عليه السلام) ومعناه مثلاً في قوله تعالى :(( إöنْ تَتُوبَا إöلَى اللَّهö فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإöنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهö فَإöنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجöبْرöيلُ وَصَالöحُ الْمُؤْمöنöينَ وَالْمَلَائöكَةُ بَعْدَ ذَلöكَ ظَهöيرñ))( ) ، أي(خيار المؤمنين أيضًا مولاه وناصره، وقيل: عني بصالح المؤمنين في هذا الموضع: أَبو بكر، وعمر رضي الله عنهما)( ).
وورد بصيغة (صالح) إسم نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام أرسله الله إلى قوم ثمود كما يقول الله سبحانه وتعالى :(( وَإöلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالöحًا قَالَ يَا قَوْمö اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مöنْ إöلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مöنَ الْأَرْضö وَاسْتَعْمَرَكُمْ فöيهَا فَاسْتَغْفöرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إöلَيْهö إöنَّ رَبّöي قَرöيبñ مُجöيبñ))( ) .
ووردت بصيغة (أصلح) مفردا ومثنى وجمعاً، ففي قوله تعالى:(( إöلا الَّذöينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئöكَ أَتُوبُ عَلَيْهöمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحöيمُ ))( )، فمعناها(وأصلح حالَ نفسه بالتقرب إلى الله من صَالح الأعمال بما يُرضيه عنه)( ).
ووردت بمعنى الصلح إزالة الخلاف والفرقة ، كما في قوله تعالى:(( فَمَنْ خَافَ مöنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إöثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إöثْمَ عَلَيْهö إöنَّ اللَّهَ غَفُورñ رَحöيمñ))( ) ، فمعناها(والصلح يختص بإزالة النفار بين الناس)( ). وفي قوله تعالى :(( وَيَسْأَلُونَكَ عَنö الْيَتَامَى قُلْ إöصْلَاحñ لَهُمْ خَيْرñ وَإöنْ تُخَالöطُوهُمْ فَإöخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسöدَ مöنَ الْمُصْلöحö وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إöنَّ اللَّهَ عَزöيزñ حَكöيمñ ))( )، (المقصود، إصلاح أموال اليتامى، بحفظها وصيانتها، والاتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى، لأنهم إخوانكم، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة، التوصل إلى أكلها وتناولها، فذلك الذي حرج وأثم، و \"الوسائل لها أحكام المقاصد \")( )
وفي قوله تعالى :(( وَالَّذöينَ آمَنُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö وَآمَنُوا بöمَا نُزّöلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مöنْ رَبّöهöمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّöئَاتöهöمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ))( )، فمعناها(أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم)( ).وفي قوله تعالى:(( يُصْلöحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفöرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطöعö اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظöيمًا ))( )، أي(يوفقهم للأعمال الصالحة)( ).
وفي قوله تعالى :(( وَلَا تُفْسöدُوا فöي الْأَرْضö بَعْدَ إöصْلَاحöهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إöنَّ رَحْمَتَ اللَّهö قَرöيبñ مöنَ الْمُحْسöنöينَ ))( )، أي (بعد إصلاح الله إياها لأهل طاعته، بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق، وإيضاحه حججه لهم)( ).وفي قوله تعالى:(( فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جöئْتُمْ بöهö السّöحْرُ إöنَّ اللَّهَ سَيُبْطöلُهُ إöنَّ اللَّهَ لَا يُصْلöحُ عَمَلَ الْمُفْسöدöينَ))( )، أي:(المفسد يضاد الله في فعلهº فإنه يفسد والله تعالى يتحرى في جميع أفعاله الصلاح، فهو إذا لا يصلح عمله)( ).
ووردت في صيغة الدعاء كما في قوله تعالى:(( وَوَصَّيْنَا الْإöنْسَانَ بöوَالöدَيْهö إöحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفöصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إöذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعöينَ سَنَةً قَالَ رَبّö أَوْزöعْنöي أَنْ أَشْكُرَ نöعْمَتَكَ الَّتöي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالöدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالöحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلöحْ لöي فöي ذُرّöيَّتöي إöنّöي تُبْتُ إöلَيْكَ وَإöنّöي مöنَ الْمُسْلöمöينَ))( )، أي( وأصلح لي أموري في ذرّيتي الذين وهبتهم، بأن تجعلهم هداة للإيمان بك، واتباع مرضاتك، والعمل بطاعتك)( ).
الخاتمة
حقاً ما أحلى وأجمل تلك اللحظات التي يعيش الأنسان بين دفتي القرآن الكريم ، ويكسر عطش نفسه من ينابيعه الصافية، ويقلب صفحاته ليعرف المزيد من معاني رسالة الله للبشرية .
وفي هذا البحث تعرفنا معاً على كلمة من بحر الكلمات في القرآن الكريم، فتعرفنا أن (صلح) وردت بكافة مشتقاتها وصيغها (169) مرة .
وفي كل مكان يتوقف معناه على ما قبلها وما بعدها، فتارة يذكر مع العمل فيشمل كل أنواع الخير والبر، وتارة يأتي صفة للنساء المؤمنات ، وتارة بمعنى إسم نبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وتارة صفة للأنبياء والمرسلين ، وتارة بمعنى إزالة النفرة والخلاف بين الزوجين خاصة ، وبين الناس عامة، وتارة بمعنى التوفيق للأعمال الصالحة ، وتارة بمعنى إنساناً كاملاً غير ناقص الهيئة والمنظر، وهكذا ....
وهكذا طبيعة كل مدلولٍ وكل كلمةٍ في القرآن الكريم، لو وقفنا عليه وقفة متأملٍ ومتدبرٍ، لوصلنا إلى معانيها ولفهمنا قصدها .
علمنا أن معنى ودلالة كلمة من القرآن الكريم في موضع ، لا يعني بالضرورة تعميم تلك الدلالة عليها في المواضع الأخرى ، لا بل يختلف دلالتها حسب موضعها ، ولا يعلم هذا إلا صاحب علم دقيق ، أو طالب علم حثيث.
وفي الختام نسال الله الرحيم الرحمن ، الكريم المنان ، أن يتقبل منا صالح الأعمال، ويطهر جوارحنا من سوء الأقوال والأفعال، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين...
--------------
المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم.
2- عالم التنزيل المؤلف : محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ، المحقق : حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة : الرابعة ، 1417 هِ - 1997.
3- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المؤلف : عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، المحقق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق ، الناشر : مؤسسة الرسالة الطبعة :الأولى 1420هِ -2000م
4- جامع البيان في تأويل القرآن ، المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، المحقق : أحمد محمد شاكر الناشر : مؤسسة الرسالة الطبعة : الأولى ، 1420 هِ - 2000 م .
5- الأعلام، للعلامة خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي الناشر:دار العلم للملايين الطبعة :الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م.
6- تفسير القرآن العظيم المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي المحقق : سامي بن محمد سلامة الناشر :دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة:الثانية 1420هِ - 1999 م.
7- معجم مفردات ألفاظ القرآن ، المؤلف: العلامة أبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني,الناشر:دار الكتب العلمية بيروت-لبنان ، الطبعة الثالثة سنة 2008م.
8- المعجم الوسيط ، المؤلف / إبراهيم مصطفى ِ أحمد الزيات ِحامد عبد القادر، محمد النجار، دار النشر : دار الدعوة ، تحقيق / مجمع اللغة العربية.
9- في ظلال القرآن ، بقلم :سيد قطب بن إبراهيم ، الناشر: دار الشروق بيروت- القاهرة .الطبعة
الخامسة عشر ، سنة 1408ه-1998م.
10- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ، لعبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين
البخاري، الناشر :المكتبة الشاملة.
11- تفسير النيسابوري ، للعلامة النيسابوري. الناشر: المكتبة الشاملة.