الانحياز الأمريكى ضد الإسلام والمسلمين والذى تجسده الحرب البشعة التى تشنها أمريكا بدعم من أوربا وخاصة بريطانيا على أفغانستان وشعبها المسلم ، نستطيع أن نقرأ أبعاده وآفاقه من خلال العناوين الضخمة التى تطالعنا بها الصحف يوميا ومتابعتها للحرب وأيضا من خلال الإجراءات الأمريكية والأوربية المصاحبة لهذه الحرب والتى صارت تطغى أخبارها على كل ما يجرى من أحداث .
يوميا ، صرنا نقرأ عن تكثيف القصف الأمريكى على كابول وقندهار وشتى مدن أفغانستان ، والقذائف التى يبلغ وزنها الأطنان تلقى على عاصمة أفغانستان ومدنها ، وتأكيد الرئيس الأمريكى أن الحرب غير محددة .. وأن عدد ضحايا الغارات حتى اليوم السادس من الغارات قد فاق الثلاث مائة قتيل إضافة إلى مئات الجرحى وألوف المهاجرين ، هذا بالإضافة إلى حملات الاعتقال التى طالت المئات من العرب والمسلمين فى أسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وكندا وأمريكا ، ومازالت متواصلة ، وقرارات تجميد ومصادره أموال الأفراد والشركات والمؤسسات والتنظيمات العربية والإسلامية فى البنوك الأوربية والأمريكية مع نشرات الملاحقة للعشرات من العرب والمسلمين المطلوبين على ذمة التحقيقات الأمريكية والأوربية.
رئيس الوزراء البريطانى تونى بلير أعلن فى حديث له أيضا فى نفس التوقيت مع الإذاعة البريطانية أنه آن الأوان لإعادة تنظيم العالم من أفريقيا إلى الشرق الأوسط وبالطبع إلى غير الشرق الأوسط .
إضافة إلى ذلك تلجأ الزعامات الأمريكية والأوربية إلى الإعلان فى وضوح عن الأهداف والغايات ، والمسار والسبل ، كما تلجأ إلى التورية ، فهى تعلن أنها حرب ضد الإرهاب ، وحرب غير تقليدية ، وطويلة غير محددة بفترة زمنية وغير محدودة أو محددة جغرافيا ، ومن ثم فلا تقتصر على أفغانستان بل تمتد لتشمل أفرادا آخرين ، وتنظيمات وحركات أخرى بل ودولا أخرى وإن كانت كمرحلة أولى هى ضد بن لادن وطالبان ودولة أفغانستان .
وإلى جانب هذا وذاك اعتمد الرئيس الأمريكى بوش والرؤساء الأوربيين مبادئ قيمية لحربهم ضد العرب والمسلمين ، منها أنه من ليس مع أمريكا فهو ضدها وهو مع الإرهاب ، وأن الأمر وصل إلى مستوى الصراع بين الخير والشر ، وبين النور والظلام وبين الحرية والديمقراطية الغربية وبين العالم الإسلامى المغلق.
إذن فهى حرب شاملة ، تشنها أمريكا ، يدعمها الغرب وخاصة بريطانيا ، ضد الإسلام ، والعرب والمسلمين ، نلمس ونحس ونرى بصماتها وآثارها تحرق ديار المسلمين فى أفغانستان ، وتلاحق العرب والمسلمين فى ديار الغرب وفى أمريكا ، كما تلاحقهم فى أوطانهم ، من خلال مصادرة الأموال وتجميد الودائع ، والإعلان عن كشوف الاعتقالات ورمى المئات بتهمة الإرهاب ، وترهيب الحكومات فى بلاد العرب والمسلمين وممارسة الضغوط عليها ، لتنخرط فى سلك التحالف الأمريكى ، وتسخر موانيها وطرقها وأجواءها لقوات الغزو .
.. وهم مصدر الخطر على المصالح الأمريكية حتى أن نائب وزير الخارجية الأمريكى يقول 'إن دولا مثل سوريا يمكن أن تواجه عملا فى مرحلة لاحقة من الحملة ضد الإرهاب ، وأن كل المنظمات والتنظيمات التى تحاول الإضرار بالمصالح الأمريكية والغربية ستكون أساسا الهدف التى نركز عليه فى المرحلة التالية بوسائل تشمل العزل والإجراءات الاقتصادية والعمل العسكرى .
الأكلة تتداعى على القصعة
إن قوى الغرب وعلى رأسها أمريكا وهى ترفع شعار الحرب على الإرهاب تتداعى على العرب والمسلمين اليوم كما تتداعى الأكلة على القصعة . إن الأمة فى كافة أقطارها وبكافة شعوبها ، تواجه محنة أكثر من قاسية ، وتعيش ظروفا وأجواء أكثر من خطيرة وتحدق بها الأخطار كما تحدق بها كل قوى الاستعمار القديم والحديث من كل صوب ، وتقود أمريكا أكبر حملة عسكرية لتأكيد هيمنتها على العالم من خلال تأكيد هيمنتها على العالم الإسلامى ، تحت شعار الحرب على الإرهاب ، والإسلام والعرب والمسلمون هم فى مفهوم الإدارة الأمريكية مصدر الإرهاب .. لأن ابن لادن وتنظيم القاعدة الذى أنشأه هم الذين ارتكبوا جريمة تدمير وتفجير مركزى التجارة ، ومقر البنتاجون فى نيويورك وواشنطن ، ورغم عدم توفر الأدلة ورغم أن التحقيق فى الأحداث الدامية مازال جاريا ، فقد اتسع نطاق الاتهام ليشمل كل العرب وكل المسلمين وليلحق تهمة الإرهاب بالإسلام .
والشعوب العربية والإسلامية فى مواجهة هذه المحنة قد حددت موقفها وتوجهها وأعلنت رفضها للسياسة الأمريكية ورفضها للتحالف الدولى الذى تتزعمه أمريكا، ورفضها الاتهام الأمريكى للإسلام والعرب والمسلمين بالإرهاب .
لقد صار واضحا أن إعادة تنظيم العالم فى المفهوم الأمريكى إنما تعنى إعادة ترتيب الخارطة خاصة على ساحتنا العربية والإسلامية ، على مستوى الشعوب وعلى مستوى الحكام ، لضمان وتأكيد الهيمنة الأمريكية ، والمصالح الأمريكية ، والقضاء على كافة مواطن ومصادر ومواقع الرفض للتبعية والإصرار على استقلالية القرار والإرادة.
إن الخطر يحدق بالشعوب والحكام ، وما ينزل بأفغانستان من دمار وتدمير أمريكى إنما هى رسالة أمريكية لكل العرب المسلمين حكاما وشعوبا ، لإعلان الخضوع والاستسلام .. ولا منجاة إلا من خلال وحدة فى الموقف والقرار والتوجه لمواجهة الضغوط وأساليب الترغيب والترهيب الأمريكية وللحيلولة دون نجاح المخطط الأمريكى ، وأيضا للحيلولة دون ضياع الحقوق العربية والإسلامية .
إن الموقف يحتم لقاء أو التقاء بين الحكام والشعوب .. لخروج من المحنة .. وحتى لا يكون الضياع .. 'ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا' .