الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  مقالات مختارة

 - عرض حسب التصنيف -  - عرض حسب الكاتب -  - عرض  أبجدي -
مقالات مختارة
عنوان المقال: الحجاب فرض أم بدعة
الكاتب: السيد حامد الشقراوي
التصنيف: مفاهيم
المصدر:الشبكة الدعوية

الحجاب فرض أم بدعة

نظرة تحقيقيه في تأويل القرآن الكريم

 

    من أهم أسباب الشقاق بين المدافعين عن الحجاب و المناهضين له الاختلاف في تأويل القران الكريم. ففي حين يستند الشق الأول خاصة إلي ما ورد في سورتي النور( الآية 31) والأحزاب( الآية 59),يعتبر الشق الثاني أن الآيات المذكورة قد جاءت لحقبة معينة وفي ظرف معين ويجب إعمال العقل لمواكبة التطور الذي يشهده الجنس البشرى ويتطور التأويل بتطور المخاطب بالنص القرآني.

سوف نستعرض مختلف تأويلات كبار العلماء في الآيتين موضع الجدل ونحاول أن نبين إلى أي مدى يمكن أن يكون الحجاب بدعة أو فرضا.

 

- الآية 31 من سورة النور:

سورة النور هي السورة الوحيدة التي افتتحت بالتقديم لها وبيان محتواها و وجوبيه الأخذ بأحكامها

قال تعالى:

سُورَةñ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فöيهَآ آيَاتٍ بَيّöنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .

الآية واضحة بلسان عربي مبين ولا تحتاج إلى تأويل وقد جاء في معجم لسان العرب لابن منظور في معنى فرض: فرَضْت الشيء أَفْرöضه فَرْضاً وفَرَّضْتُه للتكثير: أَوْجَبْتُه. وقوله تعالى: سُورةñ أَنْزَلْناها وفَرَضْناها، ويقرأ: وفرَّضْناها، فمن قرأَ بالتخفيف فمعناه أَلزَمْنا كم العَمل بما فُرöضَ فيها، ومن قرأَ بالتشديد فعلى وجهين: أَحدهما على معنى التكثير على معنى إöنا فرضنا فيها فُرُوضاً، وعلى معنى بَيَّنَّا وفَصَّلْنا ما فيها من الحلال والحرام.

وقال الجزري في النهاية في غريب الأثر: فرض : في حديث الزكاة [ هذه فَرöيضة الصَّدَقة التي فَرَضها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المسلمين ] أي أوْجَبها عليهم بأمْر اللّه تعالى . وأصل الفَرض : القَطْع . وقد فَرضه يَفْرöضه فَرْضاً وافْتَرضَه افْتöراضا . وهو الواجب سöيَّان عند الشافعي والفَرْض آكَدُ من الواجب عند أبي حنيفة .

 

وهذا ما ورد في أمهات التفاسير بخصوص هذه الآية

 

تفسير الطبري:

{ وَفَرَضْناها } فإن القرّاء اختلفت فِي قراءته، فقرأه بعض قرّاء الِحجاز والبصرة: «وَفَرَّضْناها» ويتأوّلونه: وفصَّلناها ونزّلنا فِيها فرائض مختلفة. وكذلك كان مِجاهد يقرؤه ويتأوّله. أو الأمر بِالِحلال، والنهي عن الِحرام.وقد يحتِمل ذلك إذا قرئ بِالتشديد وجهاً غير الذي ذكرنا عن مِجاهد، وهو أن يوجه إلِى أن معناه: وفرضناها علِيكم وعلِى من بعدكم من الناس إلِى قِيام الساعة. { وَفَرَضْناها } بتِخفِيف الراء، بِمعنى: أوجبنا ما فِيها من الأحكام علِيكم وألزمناكموه وبِيَّنا ذلك لكم. والصواب من القول فِي ذلك: أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علِماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذلك أن الله قد فصلها، وأنزل فِيها ضروبِاً من الأحكام، وأمر فِيها ونهى، وفرض علِى عبِاده فِيها فرائض، ففِيها الِمعنِيان كلاهما: التفريض، والفرض.

وعن ابن زيد، فِي قوله: { سُورَةñ أنْزَلْناها وَفَرَضْناها } قال: فرضناها لهذا الذي يتلوها مِما فرض فِيها

وقوله: { وأنْزَلْنا فöِيها آياتٍ بَِيّöناتٍ } يقول تعالِى ذكره: وأنزلنا فِي هذه السورة علامات ودلالات علِى الِحقّ بِينات، يعنِي واضحات لِمن تأملها وفكر فِيها بعقل أنها من عند الله، فإنها الِحقّ الِمبِين، وإنها تهدي إلِى الصراط الِمستقِيِم.

 و عن ابن جُريج: { وأنْزَلْنا فöِيها آياتٍ بَِيّöناتٍ } قال: الِحلال والِحرام والِحدود.

 

 تفسير الزمخشري :

{ وفرضناها } فرضنا أحكامها التي فيها. وأصل الفرض: القطع، أي: جعلناها واجبة مقطوعاً بها، والتشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيده. أو لأنّ فيها فرائض شتى، وأنك تقول: فرضت الفريضة، وفرضت الفرائض. أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم.

 

تفسير القرطبي :

مقصود هذه السورة ذكرُ أحكام العفاف والسّöتر. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: علّموا نساءكم سورة النور. وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تُنزلوا النساء الغُرَف ولا تعلموهنّ الكتابة وعلموهنّ سورة النور والغزل. { وَفَرَضْنَاهَا } قرئ بتخفيف الراءº أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام. وبالتشديد: أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة. وقرأ أبو عمرو: «وفَرّضناها» بالتشديد أي قطّعناها في الإنزال نُجُماً نُجُماً. والفرض القطعº ومنه فُرْضة القوس. وفرائض الميراث وفرض النفقة. وعنه أيضاً «فرّضناها» فصلناها وبيناها.، وقيل: هو على التكثيرº لكثرة ما فيها من الفرائض.

 

 تفسير ابن كثير :

يقول تعالى: هذه { سُورَةñ أَنزَلْنَِٰهَا } فيه تنبيه على الاعتناء بها، ولا ينفي ما عداها { وَفَرَضْنَِٰهَا }. قال مجاهد وقتادة: أي: بينا الحلال والحرام، والأمر والنهي والحدود. وقال البخاري: ومن قرأ: فرضناها، يقول: فرضناها عليكم، وعلى من بعدكم { وَأَنزَلْنَا فöيهَآ ءَايَِٰتٍ بَيّöنَِٰتٍ } أي: مفسرات واضحات .

 

نتبين مما ذكرأن الأحكام الواردة في سورة النور هي أحكام ملزمة للمؤمنين مفروضة عليهم وليس لنا خيار في ذلك قال تعالى : وَمَا كَانَ لöمُؤْمöنٍ وَلَا مُؤْمöنَةٍ إöذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخöيَرَةُ مöنْ أَمْرöهöمْ وَمَن يَعْصö اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبöيناً .الأحزاب 36

وبالتالي فإن أحكام الآية الأولى من سورة النور تنطبق على بقية الآيات بما في ذلك الآية 31.

قال تعالى :

وَقُل لّöلْمُؤْمöنَاتö يَغْضُضْنَ مöنْ أَبْصَارöهöنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ أَوْ آبَآئöهöنَّ أَوْ آبَآءö بُعُولَتöهöنَّ أَوْ أَبْنَآئöهöنَّ أَوْ أَبْنَآءö بُعُولَتöهöنَّ أَوْ إöخْوَانöهöنَّ أَوْ بَنöيۤ إöخْوَانöهöنَّ أَوْ بَنöي أَخَوَاتöهöنَّ أَوْ نöسَآئöهöنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوö ٱلتَّابöعöينَ غَيْرö أُوْلöي ٱلإöرْبَةö مöنَ ٱلرّöجَالö أَوö ٱلطّöفْلö ٱلَّذöينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتö ٱلنّöسَآءö وَلاَ يَضْرöبْنَ بöأَرْجُلöهöنَّ لöيُعْلَمَ مَا يُخْفöينَ مöن زöينَتöهöنَّ وَتُوبُوۤاْ إöلَى ٱللَّهö جَمöيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمöنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلöحُونَ.

سنستعرض تفاسير كبار علماء الإسلام بخصوص بعض جوانب هذه الآية حسب التسلسل التاريخي منذ بداية القرن الرابع للهجرة إلى أيامنا هذه.

 

محمد بن جرير بن يزيد الطبري (224- 310 هِ)

قال في قوله تعالى: { وَلا يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } ولا يُظْهرن للناس الذين لِيسوا لهنّ بِمِحرم زينتهنّ، وهما زينتان: إحداهما: ما خفِي، وذلك كالِخَِلِْخال والسّöوارين والقُرْطَين والقلائد. والأخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف فِي الِمعنىّ منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول: زينة الثِياب الظاهرة وعن ابن مسعود: { إلاَّ ما ظَهَرَ مöنْها } قال: هو الرداء. و عن ابن عبِاس، قال: الظاهر منها: الكحل والِخَدّان.وعن سعيد بن جُبِير، قال: الوجه

والكفّ.

 قال قتادة: وبلغنِي أن النبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحöلُّ لاöمْرأةٍ تُوْمöنُ بِاللّهö والِيَوْمö الآخöرö أنْ تُِخْرöجَ يَدَها إلاَّ إلِى هَا هُنا " وقبض نصف الذراع. وقالت عائشة: القُلْب والفَتِْخَة، قالت عائشة: دخِلت علِيّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفِيِل مزينَّة، فدخِل النبِيّ صلى الله عليه وسلم، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية. فقال: " إذا عَرَكَت الِمرأة لِم يحلّ لها أن تظهر إلا وَجْهها، وإلاّ ما دون هذا " ، وقبض علِى ذراع نفسه، فترك بِين قبضته وبِين الكفّ مثل قبضة أخرى.

وإنِما قلنا ذلك أولِى الأقوال فِي ذلك بِالتأويِل، لإجماع الِجميع علِى أن علِى كلّ مصلّ أن يستر عورته فِي صلاته، وأن للِمرأة أن تكشف وجهها وكفِيها فِي صلاتها، وأن علِيها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما رُوي عن النبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه أبِاح لها أن تبديَه من ذراعها إلِى قدر النصف. فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعاً، كان معلوماً بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لِم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لِم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوماً أنه مِما استثناه الله تعالِى ذكره بقوله: { إلاَّ ما ظَهَرَ مöنْها } ، لأن كل ذلك ظاهر منها.

 وقوله: { وَلِْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ علِى جُيُوبöهöنَّ } يقول تعالِى ذكره: ولِيِلقِين خُمُرَهنّ، وهي جمع خمار، علِى جيوبهنّ، لِيسترن بذلك شعورهنّ وأعناقهن وقُرْطَهُنَّ.

 وعن عائشة، قالت: لِما نزلت هذه الآية: { وَلِْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ علِى جُيوبöهöنَّ } قال: شققن البُرْدَ مِما يِلِي الِحواشي، فِاختِمرن به.

 وعن عروة، عن عائشة زوج النبِيّ صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يرحم الله النساء الِمهاجرات الأول لِما أنزل الله: { وَلِْيَضْرöبْنَ بöخُمُرُهöنَّ علِى جُيُوبöهöنَّ } شققن أكثف مروطهنَّ، فِاختِمرن به.
وقوله: {
وَلا يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } يقول تعالِى ذكره: { وَلا يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } التِي هي غير ظاهرة بل الِخفِية منها، وذلك الِخَِلِخال والقُرط والدُّمْلُِج، وما أُمرت بتغطيته بخمارها من فوق الِجيب، وما وراء ما أبِيح لها كشفه وإبرازه فِي الصلاة وللأجنبِيِين من الناس، والذراعين إلِى فوق ذلك، إلاّ لبعولتهنّ. وبنِحو الذي قلنا فِي تأويِل ذلك قال أهل التأويِل..

 وعن ابن عبِاس، قال: { وَلا يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ }... إلِى قوله: { عَوْرَاتö النّöساءö } قال: الزينة التِي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسöوارها، فأما خِلِخالاها ومöعْضدَاها ونِحرها وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها. وعن ابن مسعود، فِي قوله: { وَلا يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } قال: الطوق والقُرْطين، يقول الله تعالِى ذكره: قل للِمؤمنات الِحرائر لا يظهرن هذه الزينة الِخفِية التِي لِيست بِالظاهرة إلا لبعولتهنّ، وهم أزواجهن، واحدهم: بعل، أو لآبِائهنّ، أو لأباء بعولتهن يقول أو لآباء ازواجهن أو لابنائهن لابناء بعولتهن، أو لإخوانهن، أو لبنِي إخوانهن.. . فِالزينة التِي تبديها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسöواراها وأما خَِلِْخالاها ومöعْضداها ونِحرها وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها.

 

 ابو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي (373 هِ) :

قال في قوله تعالى: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن { إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: وجهها وكفيها وهكذا قال إبراهيم النخعي وروي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الوجه والكفان وهكذا قال الشعبي و ابن عمر وقال مجاهد الكحل والخضاب وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الكحل والخاتم وروي عن ابن عباس في رواية أخرى إلا ما ظهر منها أي: فوق الثياب  عن ابن مسعود أنه قال ثيابها وروي عن ابن مسعود رواية أخرى أنه سئل عن قوله (إلا ما ظهر منها) فتقنع عبد الله بن مسعود وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه ثم قال: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } يعني: على الصدر والنحر قال ابن عباس: وكان النساء قبل هذه الآية (يسدلن خمرهن من ورائهن كما تفعل النبط فلما نزلت هذه الآية) سدلن الخمر على الصدر والنحر ثم قال { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن وهو الصدر والساق والساعد والرأس لأن الصدر موضع الوشاح والساق موضع الخلخال، والساعد موضع السوار والرأس موضع الإكليل فقد ذكر الزينة وأراد بها موضع الزينة { إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ.... } وقد ذكر في الآية بعض ذوي الرحم المحرم .الذين يجوز لهم النظر إلى مواضع زينتهن .

 

أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (364- 450 هِ):

قال أن الزينة ما أدخلته المرأة على بدنها حتى زانها وحسنها في العيون كالحلي والثياب والكحل والخضاب، والزينة زينتان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة لا يجب سترها ولا يحرم النظرإليها لقوله تعالى: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } وفيها ثلاثة أقاويل:

 أحدها: أنها الثياب، قاله ابن مسعود.

 الثاني: الكحل والخاتم، قاله ابن عباس، والمسور بن مخرمة.

 الثالث: الوجه والكفان، قاله الحسن، وابن جبير، وعطاء.

 وأما الباطنة فقال ابن مسعود: القرط والقلادة والدملج والخلخال، واختلف في السوار فروي عن عائشة أنه من الزينة الظاهرة، وقال غيرها هو من الباطنة، وهو أشبه لتجاوزه الكفين، فأما الخضاب فإن كان في الكفين فهو من الزينة الظاهرة، وإن كان في القدمين فهو من الباطنة، وهذا الزينة الباطنة يجب سترها عن الأجانب ويحرم عليها تعمد النظر إليها فأما ذوو المحارم فالزوج منهم يجوز له النظر والالتذاذ، وغيره من الآباء والأبناء والإخوة يجوز لهم النظر ويحرم عليهم الالتذاذ..

 { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَى جُيُوبöهنَّ } الخمر المقانع أمöرن بإلقائها على صدورهن تغطية لنحورهن فقد كن يلقينها على ظهورهن بادية نحورهن، وقيل: كانت قمصهن مفروجة الجيوب كالدرعة يبدو منها صدروهن فأمرن بإلقاء الخمر لسترها. وكني عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها.

 ثم قال: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } يعني الزينة الباطنة .

 

الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي (436- 510 هِ) :

قال في قوله تعالى: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ } ، أي: ليلقين بمقانعهن، { عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } ، وصدورهنّ ليسترن بذلك شعورهنّ وصدورهنّ وأعناقهن وقراطهن. قالت عائشة: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله عزّ وجلّ:  { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } شققن مروطهنّ فاختمرن بها.

 { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } يعني: الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهو ما عدا الوجه والكفين { إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } ، قال ابن عباس ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن، أي إلا لأزواجهن،{ أَوْ ءَابَآئöهöنَّ أَوْ ءَابَآءö بُعُولَتöهöنَّ أَوْ أَبْنَآئöهöنَّ أَوْ أَبْنَآءö بُعُولَتöهöنَّ أَوْ إöخْوَانöهöنَّ أَوْ بَنöىۤ إöخْوَانöهöنَّ أَوْ بَنöى أَخَوَٰتöهöنَّ}، فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها.

 

 جار الله محمود بن عمر الزمخشري (467- 538 هِ) :

قال بأن الزينةهي ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، فلا تبديه إلاّ لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها: للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر، لأنّ هذا الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن، فنهى عن إبداء الزين نفسها. ليعلم أنّ النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع - بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله - كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهداً على أن النساء حقهنّ أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها. فإن قلت: ما المراد بموقع الزينة؟ ذلك العضو كله، أم المقدار الذي تلابسه الزينة منه؟ قلت: الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة: الوجه موقع الكحل في عينيه، والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربيه، والغمرة في خديه، والكف والقدم موقعا الخاتم والفتخة والخضاب بالحناء. فإن قلت: لم سومح مطلقاً في الزينة الظاهرة؟ قلت: لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بدّاً من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهنّ، وهذا معنى قوله: { إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } يعني إلاّ ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وإنما سومح في الزينة الخفية، أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك.

 وكانت جيوبهنّ واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكنّ يسدلن الخمر من ورائهنّ فتبقى مكشوفة، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهنّ حتى يغطينها، ويجوز أن يراد بالجيوب: الصدور تسمية بما يليها ويلابسها. ومنه قولهم: ناصح الجيب وقولك: ضربت بخمارها على جيبها، كقولك: ضربت بيدي على الحائط، إذا وضعتها عليه، وقد ذكر الزمخشري حديث عروة عن عائشة رضي الله عنهاوما كان من نساء الأنصار لما نزلت هذه الآية.

 

أبو الفرج عبدالرحمن بن علي  الجوزي  (510- 597 هِ):

 قال في قوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن } أي: لا يظهرنها لغير مَحْرَم. وزينتهن على ضربين، خفية كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك، وظاهرةñ وهي المشار إليها بقوله { إلا ما ظهر منها } وفيه سبعة أقوال.
أحدهما: انها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود، وفي لفظ آخر قال هو الرداء.

 والثاني: أنها الكف والخاتم والوجه.

 والثالث: الكحل والخاتم، رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس.

 والرابع: القُلْبان، وهما السواران والخاتم والكحل، قاله المسور بن مخرمة.

 والخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد.

 والسادس: الخاتم والسوار، قاله الحسن.

 والسابع: الوجه والكفان، قاله الضحاك. قال القاضي أبو يعلى: والقول الاول أشبه، وقد نص عليه احمد، فقال: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر، ويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر، فان كان لعذر مثل ان يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها، فانه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة، فأما النظر إليها بغير عذر، فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن.

 فان قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها. فالجواب: أن في تغطيته مشقة، فعفي عنه.

 قوله تعالى: { وليضربن بخمرهن } وهي جمع خöمار، وهو ما تغطى به المرأة رأسها، والمعنى: وليُلْقöين مَقانöعَهن { على جيوبهن } ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم النخعي، والأعمش: { على جöيوبهن } بكسر الجيم، { ولا يبدين زينتهن } يعني: الخفية وقد سبق بيانها { إلا لبعولتهن } قال ابن عباس: لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن.

 

فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (544- 606 هِ):
قال في قوله تعالى: {
وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } هي من الأحكام التي تختص بها النساء في الأغلب، وإنما قلنا في الأغلب لأنه محرم على الرجل أن يبدي زينته حلياً ولباساً إلى غير ذلك للنساء الأجنبيات، لما فيه من الفتنة وههنا مسائل:

 المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بزينتهن، واعلم أن الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى سائر ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلى وغير ذلك، وأنكر بعضهم وقوع اسم الزينة عل الخلقة، لأنه لا يكاد يقال في الخلقة إنها من زينتها. وإنما يقال ذلك فيما تكتسبه من كحل وخضاب وغيره، والأقرب أن الخلقة داخلة في الزينة، ويدل عليها وجهان: الأول: أن الكثير من النساء ينفردن بخلقتهن عن سائر ما يعد زينة، فإذا حملناه على الخلقة وفينا العموم حقه، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه أيضاً الثاني: أن قوله: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } يدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد حصروه في أمور ثلاثة: أحدها: الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والغمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها وثانيها: الحلى كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط. وثالثها: الثياب

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من قوله: { إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } أما الذين حملوا الزينة على الخلقة، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، وذلك في النساء الوجه والكفان، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين، فأمروا بستر ما لا تؤدي الضرورة إلى كشفه ورخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة، أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم اختلفوا في أنه هل هو من العورة أم لا؟ فيه وجهان: الأصح أنه عورة كظهر القدم، وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة، لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال، وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف أنه يحل النظر إليها حالما لم تكن متصلة بأعضاء المرأة، فلما حرم الله سبحانه النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة والغمرة وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب، والسبب في

تجويز النظر إليها أن تسترها فيه حرج لأن المرأة لا بد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها في الشهادة والمحاكمة والنكاح.

المسألة الثالثة: اتفقوا على تخصيص قوله: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } بالحرائر دون الإماء، والمعنى فيه ظاهر، وهو أن الأمة مال فلا بد من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء بخلاف الحرة.

 أما قوله تعالى: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } فالخمر واحدها خمار، وهي المقانع. قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن، وإن جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلى في الأذن والنحر وموضع العقدة منها، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء، والباء للإلصاق، وقد ذكر الرازي حديث عروة عن عائشة رضي الله عنهاوما كان من نساء الأنصار لما نزلت هذه الآية.

فأما قوله تعالى: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } فالله سبحانه لما تكلم في مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة الخفية التي نهاهن عن إبدائها للأجانب، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن الكل، ثم استثنى اثنتي عشرة صورة أحدها: أزواجهن وثانيها: آباؤهن وإن علون من جهة الذكران والإناث كآباء الآباء وآباء الأمهات وثالثها: آباء أزواجهن ورابعها وخامسها: أبناؤهن وأبناء بعولتهن، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات وسادسها: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما وسابعها: بنو إخوانهن وثامنها: بنو أخواتهن وهؤلاء كلهم محارم، وههنا سؤالات:

 السؤال الأول: أفيحل لذوي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل له في المؤمنة؟ الجواب: إذا ملك المرأة وهي من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة، بل لأمر يرجع إلى مزية الملك على اختلاف بين الناس في ذلك.

 السؤال الثاني: كيف القول في العم والخال؟ الجواب: القول الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول الحسن البصري، قال لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب

السؤال الثالث: ما السبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة؟ الجواب: لأنهم مخصوصون بالحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن ولقلة توقع الفتنة بجهاتهن، ولما في الطباع من النفرة عن مجالسة الغرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم فى الأسفار وللنزول والركوب .

 

أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي(ت 671 هِ) :

قال بأن الله سبحانه وتعالى أمر النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذاراً من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينةº واختلف الناس في قدر ذلكº فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضاً وعطاء والأوزاعöيّ: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس وقتادة والمöسْوَر بن مَخْرَمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسّوار والخöضاب إلى نصف الذراع والقöرطة والفَتَخº ونحو هذا فمباح أن تُبدöيه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تُبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدّ منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك. فِ«ِما ظهر» على هذا الوجه مما تؤدّي إليه الضرورة في النساء فهو المعفوّ عنه.

قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورَهما عادةً وعبادةً وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رöقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: " «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المöحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا»وأشار إلى وجهه وكفّيه " فهذا أقوى في جانب الاحتياطº ولمراعاة فساد الناس فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها، والله الموفق لا ربّ سواه. وقد قال ابن خُوَيْزöمَنْدَاد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة وخöيف من وجهها وكفّيها الفتنةُ فعليها سَتر ذلكº وإن كانت عجوزاً أو مُقَبَّحة جاز أن تكشف وجهها وكفّيها.

قوله تعالى: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } قرأ الجمهور بسكون اللام التي هي للأمر.

وسبب هذه الآية أن النساء كنّ في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهنّ بالأخمرة وهي المقانع سدَلْنَها من وراء الظهر. قال النقاش: كما يصنع النَّبَطº فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلكº فأمر الله تعالى بلَيّ الخمار على الجيوب، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها. ودخلت على عائشة حفصةُ بنت أخيها عبد الرحمن رضي الله عنهم وقد اختمرت بشيء يَشöفّ عن عنقها وما هنالكº فشقّته عليها وقالت: إنما يُضرب بالكثيف الذي يستر.

الخُمُر: جمع الخöمار، وهو ما تغطّي به رأسهاº ومنه اختمرت المرأة وتخمّرت، وهي حَسَنة الخöمْرة. والجيوب: جمع الجيب، وهو موضع القطع من الدّرع والقيمصº وهو من الجَوْب وهو القطع. وقال مقاتل: «على جيوبهنّ» أي على صدورهنّº يعني على مواضع جيوبهنّ.

 في هذه الآية دليل على أن الجيْب إنما يكون في الثوب موضعَ الصدر. وكذلك كانت الجيوب في ثياب السلَف رضوان الله عليهمº على ما يصنعه النساء عندنا بالأندلس وأهل الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم. وقد ترجم البخارöيّ رحمة الله تعالى عليه (باب جيب القميص من عند الصدر وغيره) وساق حديث أبي هريرة الذي يبيّن لك أن جَيْبه صلى الله عليه وسلم كان في صدرهº لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرّة إلى ثَدْيَيه وتراقöيه. وهذا استدلال حسن.

 

 عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي (ت 685 هِ):

 قال في قوله { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } كالحلي والثياب والأصباغ فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له. { إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجاً، وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتَحَمُّلö الشهادة. { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } ستراً لأعناقهن. { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } كرره لبيان من يحل له الإöبداء ومن لا يحل له. { إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } فإنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج بكره. { أَوْ ءَابَآئöهöنَّ أَوْ ءَابَآءö بُعُولَتöهöنَّ ....} لكثرة مداخلتهم عليهن واحتياجهن إلى مداخلتهم وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وإنما لم يذكر الأعمام والأخوال لأنهم في معنى الإöخوان لا يتحرجن عن وصفهن للرجال أو النساء كلهن، وللعلماء في ذلك خلاف.

 

القمي النيسابوري (ت 728 هِ):

 قال بأن ذلك يدل على أن كثيراً من النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعدّ زينة. وفي قوله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } إشارة إلى ذلك وكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار. قال القفال: بناء على هذا القول معنى قوله { إلا ما ظهر منها } إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند المهنة. وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يروين الأخبار للرجال. وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه تعالى إنما حرم النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطللقاً إذا لم تصف البدن لرقتها، وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك يحرم النظر إليه. ولهذا قال { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } والخمر جمع الخمار وهي كالمقنعة. قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام وساعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة. وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق. وعن عائشة: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الاية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان.

 

 إسماعيل بن عمر بن كثير(700- 774 هِ) :

قال بأن هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات.

 وقوله تعالى: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } أي: لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني: على ما كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب. فلا حرج عليها فيهº لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لايمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم.

وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } قال: وجهها وكفيها والخاتم.

وقال مالك عن الزهري: { إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا }: الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ماظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهوروالله أعلم.

 وقوله تعالى: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } يعني: المقانع يعمل لها صنفات ضاربات على صدورهنº لتواري ما تحتها من صدرها وترائبهاº ليخالفن شعار نساء أهل الجاهليةº فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهنº كما قال تعالى:

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبöيُّ قُل لأَزْوَاجöكَ وَبَنَاتöكَ وَنöسَآءö ٱلْمُؤْمöنöينَ يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلاَبöيبöهöنَّ ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ }
[الأحزاب: 59] وقال في هذه الآية الكريمة: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } والخمر جمع خمار، وهو ما يخمر به، أي: يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.

قال سعيد بن جبير: { وَلْيَضْرöبْنَ }: وليشددن { بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } يعني: على النحر والصدر، فلا يرى منه شيء.

 و عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة، قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت بهº تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان.

 وقوله تعالى: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } أي: أزواجهن { أَوْ ءَابَآئöهöنَّ أَوْ ءَابَآءö بُعُولَتöهöنَّ أَوْ أَبْنَآئöهöنَّ أَوْ أَبْنَآءö بُعُولَتöهöنَّ أَوْ إöخْوَانöهöنَّ أَوْ بَنöىۤ إöخْوَانöهöنَّ أَوْ بَنöى أَخَوَٰتöهöنَّ } كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج .

 

 جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي(849- 911 هِ) :

قال في قوله تعالى { ولا يبدين زينتهن } عن ابن مسعود قال: الزينة. السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة، { إلا ما ظهر منها } قال: الثياب والجلباب.

وأخرج احمد والنسائي والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة استعطرت، فخرجت، فمرت على قوم فيجدوا ريحها، فهي زانية ".

و في قوله { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال أنس: الكحل، والخاتم. و قال ابن عباس بحسب الروايات: هو خضاب الكف والخاتم.او: وجهها وكفاها والخاتم اورقعة الوجه وباطن الكف. و قال عكرمة الوجه، وثغرة النحر. و قال سعيد بن جبير الوجه، والكف. و قال المسور بن مخرمة السوار، والخاتم، والكحل.

و عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب، والفتخ، وضمت طرف كمها.

وقد ذكرالسيوطي حديث قتادة عن النبِيّ صلى الله عليه وسلم و حديث عروة عن عائشة رضي الله عنهاوما كان من نساء الأنصار .

وقالت عائشة: دخلت على ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض فقالت عائشة رضي الله عنها: انها ابنة أخي وجارية فقال " إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى ".

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن عائشة: أن امرأة دخلت عليها وعليها خمار رقيق يشف جبينها، فأخذته عائشة فشقته ثم قالت: ألا تعلمين ما أنزل الله في سورة النور، فدعت لها بخمار فكستها اياه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وليضربن } وليشددن { بخمرهن على جيوبهن } يعني النحر، والصدر، فلا يرى منه شيء.

و عن ابن عباس في قوله { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن... } ان الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها.

 وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ولا يبدين زينتهن } يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار { إلا لبعولتهن أو آبائهن.... } قال: فهو محرم.

 

محمد بن علي بن محمد الشوكاني  (1173-ت 1250 هِ):

قال في قوله تعالى{ وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } أي: ما يتزينّ به من الحلية، وغيرها، وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهنّ بالأولى ثم استثنى سبحانه من هذا النهي، فقال: { إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا }.
واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟ فقال ابن مسعود، وسعيد بن جبير: ظاهر الزينة هو الثياب، وزاد سعيد بن جبير الوجه. وقال عطاء، والأوزاعي: الوجه والكفان. وقال ابن عباس، وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك، فإنه يجوز للمرأة أن تبديه. وقال ابن عطية: إن المرأة لا تبدي شيئاً من الزينة، وتخفي كل شيء من زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة. ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني النهي عن إبداء الزينة إلاّ ما ظهر منها كالجلباب، والخمار، ونحوهما مما على الكف، والقدمين من الحلية، ونحوها، وإن كان المراد بالزينة: مواضعها كان الاستثناء راجعاً إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين، ونحو ذلك. وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب، فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين، وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة، وما تتزين به النساء فالأمر واضح، والاستثناء يكون من الجميع.

{ وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } قرأ الجمهور بإسكان اللام التي للأمر. والخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، ومنه اختمرت المرأة، وتخمرت. والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع، والقميص، مأخوذ من الجوب، وهو القطع. قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كنّ يسدلن خمرهنّ من خلفهنّ، وكانت جيوبهنّ من قدّام واسعة، فكان تنكشف نحورهنّ، وقلائدهنّ، فأمرن أن يضربن مقانعهنّ على الجيوب لتستر بذلك ما كان يبدو، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي هو: الإلصاق. وقد فسّر الجمهور الجيوب بما قدّمنا، وهو: المعنى الحقيقي، وقال مقاتل: إن معنى على جيوبهنّ: على صدورهنّ، فيكون في الآية مضاف محذوف أي: على مواضع جيوبهنّ. ثم كرر سبحانه النهي عن إبداء الزينة لأجل ما سيذكره من الاستثناء، فقال:  { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } البعل هو: الزوج والسيد في كلام العرب، وقدّم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال لهم، ومثله قوله سبحانه: { وَٱلَّذöينَ هُمْ لöفُرُوجöهöمْ حَِٰفöظُونَ. إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } [المؤمنون: 5 ِ 6]،

 ثم لما استثنى سبحانه الزوج أتبعه باستثناء ذوي المحارم، فقال { أو آبائهنّ أو آباء بعولتهن } إلى قوله: { أَوْ بَنöى أَخَوٰتöهöنَّ } فجوّز للنساء أن يبدين الزينة لهؤلاء لكثرة المخالطة، وعدم خشية الفتنة لما في الطباع من النفرة عن القرائب.

 

شهاب الدين محمود بن عبدالله الألوسي (1217- 1270 هِ):

قال أن المراد هو النهي عن إبداء مواقع الزينة بعمومها الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من استثنى و الاستثناء في قوله تعالى: { إöلاَّ مَا ظَهَرَ مöنْهَا } ، ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كان كشفته الريح مثلا فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب، وروي الطبراني. والحاكم وصححه. وابن المنذر. وجمع آخرون عن ابن مسعود أن ما ظهر الثياب والجلباب، وفي رواية الاقتصار على الثياب وعليها اقتصر أيضاً الإمام أحمد.

وقال الحسن أنه الخاتم والسوار وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس، والمراد في الآية النهي عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف، وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة.

{ وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } إرشاد إلى كيفية إخفاء بعض مواقع الزينة بعد النهي عن إبدائها، والخمر جمع خمار ويجمع في القلة على أخمرة وكلا الجمعين مقيس وهو المقنعة التي تلقيها المرأة على رأسها من الخمر وهو الستر، والجيوب جمع جيب وهو فتح في أعلى القميص يبدو منه بعض الجسد، وأصله على ما قيل من الجيب بمعنى القطعº وفي الصحاح تقول: جبت القميص أجوبه وأجيبه إذا قورت جيبه، وإطلاقه على ما ذكر هو المعروف لغة، وأما إطلاقه على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها كما هو الشائع بيننا اليوم فليس من كلام العرب كما ذكره ابن تيمية لكنه ليس بخطأ بحسب المعنى، والمراد من الآية كما روي ابن أبِي حاتم عن ابن جبير أمرهن بستر نحورهنّ وصدورهن بخمرهن لئلا يرى منها شيء وكان النساء يغطين رؤوسهن بالخمر ويسدلنها كعادة الجاهلية من وراء الظهر فيبدو نحورهن وبعض صدورهن، وصح أنه لما نزلت هذه الآية سارع نساء المهاجرين إلى امتثال ما فيها فشققن مروطهن فاختمرن بها تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله تعالى من كتابه.

{ وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ } كرر النهي لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه باعتبار الناظر بعد ما استثنى عنه بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور { إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } أي أزواجهن فإنهم المقصودون بالزينة والمأمورات نسائهم بها لهم حتى أن لهم ضربهن على تركها ولهم النظر إلى جميع بدنهن حتى المحل المعهود كما في إöرشاد العقل السليم.
وكره النظر إلى ذلك أكثر الشافعية وحرمه بعضهم، وقيل: إنه خلاف الأولى وهو على ما قال الخفاجي: مذهب الحنفية وتفصيله في الهداية وفيما ذكرنا إشارة إلى وجه تقديم بعولتهن.

{ أَوْ ءابَائöهöنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتöهöنَّ ... } لكثرة المخالطة الضرورية بينهن وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة .

 

 طنطاوي جوهري المصري (1287- 1365 هِ) :

قال في قوله  تعالى: { وَلْيَضْرöبْنَ بöخُمُرöهöنَّ عَلَىٰ جُيُوبöهöنَّ } هو بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد النهى عن إبدائها.

والخُمُر - بضم الخاء والميم - جمع خمار. وهو ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها وصدرها، والجيوب جمع جيب، وهو فتحة فى أعلى الثياب يبدو منها بعض صدر المرأة وعنقها. والمراد به هنا: محله وهو أعلى الصدر، وأصله: من الجَب بمعنى القطع. أى: وعلى النساء المؤمنات أن يسترن رءوسهن وأعناقهن وصدورهن بخمرهن، حتى لا يطلع أحد من الأجانب على شىء من ذلك.

قالوا: وكان النساء فى الجاهلية يسدلن خمرهن من خلف رءوسهن، فتنكشف نحورهن وأعناقهن وقلائدهن، فنهى الله - تعالى - المؤمنات عن ذلك.

والمقصود بزينتهن فى قوله  تعالى: { وَلاَ يُبْدöينَ زöينَتَهُنَّ إöلاَّ لöبُعُولَتöهöنَّ } الزينة الخفية وهى ما عدا الوجه والكفين، كشعر الرأس والذراعين والساقين.

فقد نهى الله  تعالى النساء المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل أحد، إلا من استثناهم - سبحانه - بعد ذلك، وهم اثنا عشر نوعا، بدأهم بالبعول وهم الأزواج لأنهم هم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن الزوجة حلال لزوجها.

أى: وعلى النساء المؤمنات أن يلتزمن الاحتشام فى مظهرهن، ولا يبدين مواضع زينتهن الخفية إلا " لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أن بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن " فهؤلاء الأصناف السبعة الذين ذكرهم الله  تعالى بعد الأزواج، كلهم من المحارم الذين لا يحل للمرأة الزواج بواحد منهم، وقد جرت العادة باحتياج النساء إلى مخالطتهم، كما جرت العادة بأن الفتنة مأمونة بالنسبة لهم، فمن طبيعة النفوس الكريمة أنها تأنف من التطلع إلى المحارم بالنسبة لها. ويلحق بهؤلاء المحارم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع. والأصول وإن علوا، والفروع وإن سفلوا.

 

 سيد قطب إبراهيم (1324- 1387 هِ):

قال الزينة حلال للمرأة، تلبية لفطرتها. فكل أنثى مولعة بأن تكون جميلة، وأن تبدو جميلة. والزينة تختلف من عصر إلى عصرº ولكن أساسها في الفطرة واحد، هو الرغبة في تحصيل الجمال أو استكماله، وتجليته للرجال.
والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطريةº ولكنه ينظمها ويضبطها، ويجعلها تتبلور في الاتجاه بها إلى رجل واحد ِ هو شريك الحياة ِ يطلع منها على ما لا يطلع أحد سواه. ويشترك معه في الاطلاع على بعضها، المحارم والمذكورون في الآية بعد، ممن لا يثير شهواتهم ذلك الاطلاع. فأما ما ظهر من الزينة في الوجه واليدين، فيجوز كشفه. لأن كشف الوجه واليدين مباح لقوله ِ صلى الله عليه وسلم ِ لأسماء بنت أبي بكر:
" يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ِ وأشار إلى وجهه وكفيه ".

{ وليضربن بخمرهن على جيوبهن }.والجيب فتحة الصدر في الثوب. والخمار غطاء الرأس والنحر والصدر. ليداري مفاتنهن، فلا يعرضها للعيون الجائعةº ولا حتى لنظرة الفجاءة، التي يتقي المتقون أن يطيلوها أويعاودوها، ولكنها قد تترك كميناً في أطوائهم بعد وقوعها على تلك المفاتن لو تركت مكشوفة! إن الله لا يريد أن يعرض القلوب للتجربة والابتلاء في هذا النوع من البلاء!

والمؤمنات اللواتي تلقين هذا النهي. وقلوبهن مشرقة بنور الله، لم يتلكأن في الطاعة، على الرغم من رغبتهن الفطرية في الظهور بالزينة والجمال. وقد كانت المرأة في الجاهلية ِ كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة! ِ تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء. وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها، وأقرطة أذنيها.

لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي، وطهر إحساسه بالجمالº فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب، بل الطابع الإنساني المهذب.. وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوانº مهما يكن من التناسق والاكتمال. فأما جمال الحشمة فهو الجمال النظيف، الذي يرفع الذوق الجمالي، ويجعله لائقاً بالإنسان، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال. هذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة. ومن ثم يبيح القرآن تركه عندما يأمن الفتنة. فيستثني المحارم الذين لا تتوجه ميولهم عادة ولا تثور شهواتهم وهم:الآباء، والأبناء، وآباء الأزواج وأبناؤهم، والإخوة وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات..

 

محمد الطاهر  بن محمد بن عاشور(1296- 1393 هِ)

قال في قوله تعالى{ ما ظهر منها } ما كان موضعه مما لا تستره المرأة وهو الوجه والكفان والقدمان.

وفسر جمع من المفسرين الزينة بالجسد كله وفسر ما ظهر بالوجه والكفين قيل والقدمين والشعر. وعلى هذا التفسير فالزينة الظاهرة هي التي جعلها الله بحكم الفطرة بادية يكون سترها معطلاً الانتفاع بها أو مدخلاً حرجاً على صاحبتها وذلك الوجه والكفان، وأما القدمان فحالهما في الستر لا يعطل الانتفاع ولكنه يعسره لأن الحفاء غالب حال نساء البادية. فمن أجل ذلك اختلف في سترهما الفقهاءº ففي مذهب مالك قولان: أشهرهما أنها يجب ستر قدميها، وقيل: لا يجب، وقال أبو حنيفة: لا يجب ستر قدميها، أما ما كان من محاسن المرأة ولم يكن عليها مشقة في ستره فليس مما ظهر من الزينة مثل النحر والثدي والعضد والمعصم وأعلى الساقين، وكذلك ما له صورة حسنة في المرأة وإن كان غير معرى كالعجيزة والأعكان والفخذين ولم يكن مما في إرخاء الثوب عليه حرج عليها. وروى مالك في «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة " قال ابن عبد البر: أراد اللواتي يلبسن من الثياب الخفيف الذي يصف ولا يستر، أي هن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة وفي نسخة ابن بشكوال من «الموطأ» عن القنازعي قال فسر مالك: إنهن يلبسن الثياب الرقاق التي لا تسترهن .وفي سماع ابن القاسم من «جامع العتبية» قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب نهى النساء عن لبس القباطي. قال ابن رشد في «شرحه»: هي ثياب ضيقة تلتصق بالجسم لضيقها فتبدو ثخانة لابستها من نحافتها، وتبدي ما يستحسن منها، امتثالاً لقوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } . وفي روايات ابن وهب من «جامع العتبية» قال مالك في الإماء يلبسن الأقبية: ما يعجبني فإذا شدته عليها كان إخراجاً لعجزتها.

وجمهور الأئمة على أن استثناء إبداء الوجه والكفين من عموم منع إبداء زينتهن يقتضي إباحة إبداء الوجه والكفين في جميع الأحوال لأن الشأن أن يكون للمستثنى جميع أحوال المستثنى منه. وتأوله الشافعي بأنه استثناء في حالة الصلاة خاصة دون غيرها وهو تخصيص لا دليل عليه. ونُهöين عن التساهل في الخöمرة. والخمار: ثوب تضعه المرأة على رأسها لستر شعرها وجيدها وأذنيها وكان النساء ربما يسدلن الخمار إلى ظهورهن كما تفعل نساء الأنباط فيبقى العنق والنحر والأذنان غير مستورة فلذلك أُمرْنَ بقوله تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن }.

والضرب: تمكين الوضع وتقدم في قوله تعالى:{ إن الله لا يستحيö أن يضرب مثلاً } في سورة البقرة (26).والمعنى: ليشددن وضع الخمر على الجيوب، أي بحيث لا يظهر شيء من بشرة الجيد. والباء في قوله      { بخمرهن } لتأكيد اللصوق مبالغة في إحكام وضع الخمار على الجيب زيادة على المبالغة المستفادة من فعل     { يضربن }.

والجُيوب: جمع جيب بفتح الجيم وهو طوق القميص مما يلي الرقبة. والمعنى: وليضعن خمرهن على جيوب الأقمصة بحيث لا يبقى بين منتهى الخمار ومبدأ الجَيب ما يظهر منه الجيد.

 وقوله: { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } أعيد لفظ { ولا يبدين زينتهن } تأكيداً لقوله { ولا يبدين زينتهن } المتقدم وليبني عليه الاستثناء في قوله: { إلا لبعولتهن } إلخ الذي مقتضى ظاهره أن يعطف على { إلا لبعولتهن } لبعد ما بين الأول والثاني، أي ولا يبدين زينتهن غير الظاهرة إلا لمن ذُكروا بعد حرف الاستثناء لشدة الحرج في إخفاء الزينة غير الظاهرة في أوقات كثيرة، فإن الملابسة بين المرأة وبين أقربائها وأصهارها المستثنين ملابسة متكررة فلو وجب عليها ستر زينتها في أوقاتها كان ذلك حرجاً عليها. وذكرت الآية اثني عشر مستثنى كلهم ممن يكثر دخولهم. وسكتت الآية عن غيرهم ممن هو في حكمهم بحسب المعنى.

 

 محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (1325- 1393 هِ):

قال أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة و من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، والخضاب، ونحو ذلك.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي الله عنه: أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر، لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها، كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم، هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.

 

محمد متولي الشعراوي  (1332-1419):

قال من رحمة الله بالنساء في قوله "إلا ما ظهر منها"يعني الأشياء الضرورية كالكحل في العين والخاتم أو الحناء في اليد ولكن لا يظهر قرطها أو عقدها أو خلخالها فالشارع أباح الزينة الطبيعية شريطة أن تكون في حدود وأن تقصر على من جعلت من أجله.والمراد تغطية الزينة ،فالزينة تغطي الجارحة وأمر الله  بستر الزينة، فالجارحة التي من تحتها من باب أولى.

وقوله تعالى : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } فالخمر جمع خمار وهو غطاء الرأس الذي يسدل ليستر الرقبة والصدر. والضرب هو الوقع بشدة وعلى المرأة أن تحكم ربط الخمار على رأسها وصدرها.

 

- الآية 59 من سورة الأحزاب:

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبöيُّ قُل لأَزْوَاجöكَ وَبَنَاتöكَ وَنöسَآءö ٱلْمُؤْمöنöينَ يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلاَبöيبöهöنَّ ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحöيماً

 

ذكر ابن منظور في لسان العرب أن الجöلْبابُ: القَمöيصُ. والجöلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخöمار، دون الرّöداءö، تُغَطّöي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَهاº جöلْبابُ المرأَةö مُلاءَتُها التي تَشْتَمöلُ بها، واحدها جöلْبابñ، والجماعة جَلابöيبُ.

 

تفسير الطبري :

قال بأن الله تعالِى يقول لنبِيه مِحمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبِيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء الِمؤمنِين، لا يتشبهن بِالإماء فِي لبِاسهنّ إذا هن خرجن من بِيوتهنّ لِحاجتهنّ، فكشفن شعورهنّ ووجوههنّ، ولكن لِيدنِين علِيهنّ من جلابِيبهنّ، لئلا يعرض لهنّ فِاسق، إذا علِم أنهنّ حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويِل فِي صفة الإدناء الذي أمرهنّ الله به، فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههنّ ورؤوسهنّ، فلا يبدين منهنّ إلا عيناً واحدة. وقد قال بذلك ابن عبِاس وعُبِيدة.

وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابِيبهنّ علِى جبِاههنّ. وقال ابن عباس: كانت الِحرّة تلبس لبِاس الأمة، فأمر الله نساء الِمؤمنِين أن يدنِين علِيهنّ من جلابِيبهنّ وإدناء الِجلبِاب: أن تقنع وتشدّ علِى جبِينها. وعن قتادة أن الِمِملوكة كانت إذا مرّت تناولوها بِالإيذاء، فنهى الله الِحرائر أن يتشبهن بِالإماء.
وعن مِجاهد، قوله: {
يُدْنöِينَ عَلَِيْهöنَّ مöنْ جَلابöِيبöهöنَّ } يتِجلببن فِيُعلِم أنهنّ حوائر فلا يعرض لهنّ فِاسق بأذى من قول ولا ريبة.

وعن أبِي صالِح، قال: قدم النبِيّ صلى الله عليه وسلم الِمدينة علِى غير منزل، فكان نساء النبِيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهنّ إذا كان اللِيِل خرجن يقضين حوائجهنّ، وكان رجال يجلسون علِى الطريق للغزل، فأنزل الله: { يا أيُّها النَّبöِيُّ قُلْ لأَزْوَاجöكَ وَبَناتöكَ وَنöساءö الِمُؤْمöنöِينَ يُدْنöِينَ عَلَِيْهöنَّ مöنْ جَلابöِيبöهöنَّ } يقنعن بِالِجلبِاب حتِى تعرف الأمة من الِحرّة.

وقوله: { ذلكَ أدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فَلأ يُؤْذَيْنَ } يقول تعالِى ذكره: إدناؤهنّ جلابِيبهنّ إذا أدنِينها علِيهنّ أقرب وأحرى أن يعرفن مِمن مررن به، ويعلِموا أنهنّ لسن بِاماء، فِيتنكَّبوا عن أذاهنّ بقول مكروه، أو تعرّض بريبة { وكانَ اللَّهُ غَفُوراً } لِما سلف منهنّ من تركهنّ إدناءهنَّ الِجلابِيب علِيهنّ { رَحöيِماً } بهنّ أن يعاقبهنّ بعد توبتهنّ بِادناء الِجلابِيب علِيهنّ.

 

تفسير  السمرقندي :

{ يِٰأَيُّهَا ٱلنَّبöىُّ قُل لأَزْوٰجöكَ وَبَنَِٰتöكَ } وذلك أن المهاجرين نزلوا في ديار الأنصار فضاقت الدور عليهم وكن النساء يخرجن بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن كان الزناة يرصدون في الطريق وكانوا يطلبون الولائد ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل فأمر الحرائر بأخذ الجلباب وقال الحسن كن النساء والإماء بالمدينة يقال لهن كذا وكذا يخرجن فيتعرض لهن السفهاء فيؤذونهن فكانت الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة ويؤذونها فأمر الله تعالى المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن وقال القتبي يلبسن الأردية ويقال يعني: يرخين الجلابيب على وجوههن وقال مجاهد يدنين عليهن من جلابيبهن يعني متجلببين ليعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة قوله: { وَنöسَاء ٱلْمُؤْمöنöينَ يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلَِٰبöيبöهöنَّ ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } يعني: أحرى { فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحöيماً } إذا تابوا ورجعوا ثم وعد المنافقين وخوّفهم لينزجروا عن الحرائر أو الإماء.

 

تفسير الماوردي :

قوله تعالى: {... يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلاَبöيبَهنَّ } فيه ثلاثة أقاويل:

أحدها: أن الجلباب الرداء، قاله ابن مسعود والحسن.

الثاني: أنه القناعº قاله ابن جبير.

الثالث: أنه كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، قاله قطرب.

وفي إدناء جلابيبهن عليهن قولان:

أحدهما: أن تشده فوق رأسها وتلقيه فوق خمارها حتى لا ترى ثغرة نحرها، قاله عكرمة.

الثاني: أن تغطي وجهها حتى لا تظهر إلا عينها اليسرى، قاله عَبيدة السلماني.

{ ذَلöكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } فيه وجهان:

أحدهما: ليعرفن من الإماء بالحرية.

الثاني: يعرفن من المتبرجات بالصيانة.

 

تفسير البغوي :

نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإöماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحداً، يخرجن في درع وخمار، الحرةُ والأمة، فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله علي وسلم فنزلت هذه الآية: { وَٱلَّذöينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمöنöينَ وَٱلْمُؤْمöنَِٰتö }. ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإöماء. فقال جل ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبöىُّ قُل لأَزْوَٰجöكَ وَبَنَاتöكَ وَنöسَآءö ٱلْمُؤْمöنöينَ يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلَِٰبöيبöهöنَّ }

 جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار.

 وقال ابن عباس وأبو عبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر.

{ ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } ، أنهن حرائر، { فَلاَ يُؤْذَيْنَّ } ، فلا يتعرض لهن، { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحöيماً } ، قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة، وقال يا لكاع أتتشبهين بالحرائر، ألقي القناع.

 

 تفسير الزمخشري :

الجلباب: ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره.

ومعنى { يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلَِٰبöيبöهöنَّ } يرخينها عليهنّ، ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيراهنّ في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرّضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهنّ من النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرّضوا للحرّة بعلة الأمة، يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي[بلبس] الأماء الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهين فلا يطمع فيهن طامع، وذلك قوله: { ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرّض لهن ولا يلقين ما يكرهن. فإن قلت: ما معنى { مöن } في { مöن جَلَِٰبöيبöهöنَّ }؟ قلت: هو للتبعيض. إلا: أن يكون معنى التبعيض محتمل وجهين، أحدهما: أن يتجلببن ببعض ما لهنّ من الجلاليب، والمراد أن لا تكون الحرة متبذلة في درع وخمار، كالأمة والماهنة [الخادمه] ولها جلبابان فصاعداً في بيتها. والثاني: أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة. وعن ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن ذلك فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وعن السديّ: تغطي إحدى عينيها وجبهتها، والشقّ الآخر إلاّ العين، وعن الكسائي: يتقنعن بملاحفهنّ منضمة عليهنّ، أراد بالانضمام معنى الإدناء { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما سلف منهن من التفريط مع التوبةº لأنّ هذا مما يمكن معرفته بالعقل.

 

تفسير ابن الجوزي :

قوله تعالى: { يا أيُّها النبيُّ قل لأزواجك... } الآية، سبب نزولها أن الفُسَّاق كانوا يؤذون النساء إöذا خرجن بالليل، فاذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حُرَّة، وإöذا رأوها بغير قناع قالوا: أَمَة، فآذَوها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي.

 قوله تعالى: { يُدْنöينَ عليهنَّ من جلابيبهنَّ } قال ابن قتيبة: يَلْبَسْنَ الأرْدية. وقال غيره: يغطّöين رؤوسهنّ ووجوهن ليُعلَم أنهنَّ حرائر { ذلك أدنى } أي: أحرى وأقرب { أن يُعْرَفْنَ } أنهنَّ حرائر { فلا يؤذَين }.

 

تفسير الرازي :

لما ذكر أن من يؤذي المؤمنين يحتمل بهتاناً وكان فيه منع المكلف عن إيذاء المؤمن، أمر المؤمن باجتناب المواضع التي فيها التهم الموجبة للتأذي لئلا يحصل الإيذاء الممنوع منه. ولما كان الإيذاء القولي مختصاً بالذكر اختص بالذكر ما هو سبب الإيذاء القولي وهو النساء فإن ذكرهن بالسوء يؤذي الرجال والنساء بخلاف ذكر الرجال فإن من ذكر امرأة بالسوء تأذت وتأذى أقاربها أكثر من تأذيها، ومن ذكر رجلاً بالسوء تأذى ولا يتأذى نساؤه، وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة وتقع التهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب.

وقوله: { ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } قيل يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن ويمكن أن يقال المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن. وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحöيماً } يغفر لكم ما قد سلف برحمته ويثيبكم على ما تأتون به راحماً عليكم.

 

تفسير القرطبي :

لما كانت عادة العربيات التبذّل، وكنّ يكشفْن وجوههنّ كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكنّ يتبرّزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكُنُف ِ فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتُعرف الحرائر بسترهن، فيكُفّ عن معارضتهن من كان عذَبا أو شابًّا. وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرّز للحاجة فيتعرضّ لها بعض الفجار يظن أنها أَمَة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. ونزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره.

و قوله تعالى: { مöن جَلاَبöيبöهöنَّ } الجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء. وقد قيل: إنه القناع. والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. وفي صحيح مسلم عن أمّ عطيّة قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: " لöتُلْبöسْها أختُها من جلبابها ".

واختلف الناس في صورة إرخائهº فقال ابن عباس وعَبيدة السَّلْمانيّ: ذلك أن تلوöيه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تُبصر بها. وقال ابن عباس أيضاً وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشدّه، ثم تعطöفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن: تغطّي نصف وجهها.

وقد أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وأن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها، إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءتº لأن له أن يستمتع بها كيف شاء.

 ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: «سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن من يوقöظ صواحب الحجر رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة» ". وروي أن دöحْيَةَ الكلْبيّ لما رجع من عند هöرقْل فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قُبْطöيّةº فقال: «اجعل صديعاً لك قميصاً وأعط صاحبتك صديعاً تختمر به» " والصّديع النصف. ثم قال له: «مُرْها تجعل تحتها شيئاً لئلا يصف» " وذكر أبو هريرة رقّة الثياب للنساء فقال: الكاسيات العاريات الناعمات الشقيّات. ودخل نسوة من بني تميم على عائشة رضي الله عنها عليهنّ ثياب رöقاق، فقالت عائشة: إن كنتنّ مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعينه. وأدخلت امرأة عروس على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار قُبْطöيّ مُعَصْفَر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة «النور» امرأة تلبس هذا. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نساء كاسيات عاريات مائلات مُمöيلات رؤوسهن مثل أسنمة البُخْت لا يَدخلْنَ الجنة ولا يجدْنَ ريحها " وقال عمر رضي الله عنه: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها.

قوله تعالى: { ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } أي الحرائر، حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عُرفن لم يقابلن بأدنى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرّية، فتنقطع الأطماع عنهن. وليس المعنى أن تُعرف المرأة حتى تُعلم من هي. وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمَة قد تقنعت ضربها بالدرّة، محافظة على زيّ الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنعّ الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء. وهذا كما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا لمنعهنّ من الخروج إلى المساجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل. { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحöيماً } تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع.

 

تفسير البيضاوي :

يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة، و { مöنْ } للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض و { ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } يميزن من الإöماء والقينات. { فَلاَ يُؤْذَيْنَ } فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن. { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما سلف. { رَّحöيماً } بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئياب منها..

 

تفسير ابن كثير:

يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً أن يأمر النساء المؤمنات ِ خاصة أزواجه وبناته لشرفهن ِ بأن يدنين عليهن من جلابيبهنº ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد، وهو بمنزلة الإزار اليوم. قال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة، وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها.

 و عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. وسأل الزهري: هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهى عن الجلبابº لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات.

وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، وإنما نهى عن ذلك لخوف الفتنة، لا لحرمتهن، واستدل بقوله تعالى: { وَنöسَآءö ٱلْمُؤْمöنöينَ } وقوله: { ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } أي: إذا فعلن ذلك، عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. قال السدي كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلظ الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل، خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب، قالوا: هذه حرة، فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة، فوثبوا عليها، وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.

وقوله تعالى: { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحöيماً } أي: لما سلف في أيام الجاهلية، حيث لم يكن عندهن علم بذلك.

 

تفسير  النيسابوري :

أراد الله أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال { يا أيها النبي } الآية. ومعنى { يدنين عليهن } يرخين عليهن. يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. ومعنى التبعيض في { من جلابيبهن } أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها. وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه { ذلك } الإدناء { أدنى } وأقرب إلى { أن يعرفن } أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها { فلا يؤذين } لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات { وكان الله غفوراً } لما قد سلف { رحيماً } حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.

 

تفسير السيوطي :

كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن بالليل لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين، فقيل ذلك للمنافقين فقالوا: إنما نفعله بالإöماء. فنزلت هذه الآية فأمر بذلك حتى عرفوا من الأماء.
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على غير منزل، فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل، فأنزل الله {
يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك... }. يعني بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن، فإذا قيل له قال: كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله تعالى أن يخالفن زي الأماء، ويدنين عليهن من جلابيبهن، تخمر وجهها إلا إحدى عينيها {
ذلك أدنى أن يعرفن } يقول: ذلك أحرى أن يعرفن.

و عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية { يدنين عليهن من جلابيبهن } خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان، من أكسيه سود يلبسنها. و عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يدع في خلافته أمة تقنع ويقول: إنما القناع للحرائر لكيلا يؤذين.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب رضي الله عنه أنه قيل له: الأمة تزوج فتخمر قال { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } فنهى الله الاماء أن يتشبهن بالحرائر.

و عن قتادة قال: أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يعدنها على الحواجب { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } قال: قد كانت المملوكة يتناولونها، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالاماء. و قال الكلبي كن النساء يخرجن إلى الجبابين لقضاء حوائجهن، فكان الفساق يتعرضون لهن، فيؤذونهن فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن، حتى تعلم الحرة من الأمة.

وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة أن ذعارا من ذعار أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل، فينظرون النساء ويغمزونهن، وكانوا لا يفعلون ذلك بالحرائر إنما يفعلون ذلك بالإöماء، فأنزل الله هذه الآية .

و عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهم من جلابيبهن، وأدنى الجلباب: أن تقنع، وتشده على جبينها.

و قال الحسن رضي الله عنه أماؤكن بالمدينة يتعرض لهن السفهاء فيؤذين، فكانت الحرة تخرج، فيحسب أنها أمة فتؤذى، فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: كان أناس من فساق أهل المدينة بالليل حين يختلط الظلام، يأتون إلى طرق المدينة فيتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق، فيقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يتبعون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها.

و قال سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { يدنين عليهن من جلابيبهن } يسدلن عليهن من جلابيبهن. وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها. و قال عكرمة رضي الله عنه تدني الجلباب حتى لا يرى ثغرة نحرها.

 

تفسير الجلالين:

جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يُرخöين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهنّ إلا عيناً واحدة { ذٰلöكَ أَدْنَىٰ } أقرب إلى { أَن يُعْرَفْنَ } بأنهنّ حرائر { فَلاَ يُؤْذَيْنَ } بالتعرّض لهنّ بخلاف الإöماء فلا يغطين وجوههنّ، فكان المنافقون يتعرّضون لهنّ { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما سلف منهن من ترك الستر { رَّحöيماً } بهنّ إذ سترهنّ.

 

تفسير الشوكاني :

لما فرغ سبحانه من الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده أمر رسوله صلى الله عليه وسلم: بأن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما يدفع ما يقع عليه منه، والجلابيب جمع جلباب، وهو: ثوب أكبر من الخمار. قال الجوهري: الجلباب الملحفة، وقيل: القناع، وقيل: هو ثوب يستر جميع بدن المرأة، كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال: " لتلبسها أختها من جلبابها"  قال الواحدي: قال المفسرون: يغطين وجوههنّ ورؤوسهنّ إلاّ عيناً واحدة، فيعلم: أنهنّ حرائر فلا يعرض لهنّ بأذى. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشدّه ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، والإشارة بقوله: { ذٰلöكَ } إلى إدناء الجلابيب، وهو مبتدأ وخبره { أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } أي أقرب أن يعرفن، فيتميزن عن الإماء، ويظهر للناس أنهنّ حرائر { فَلاَ يُؤْذَيْنَ } من جهة أهل الريبة بالتعرض لهنّ مراقبة لهنّ، ولأهلهنّ وليس المراد بقوله: { ذٰلöكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد: أن يعرفن أنهنّ حرائر لا إماءº لأنهنّ قد لبسن لبسة تختص بالحرائر { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما سلف منهنّ من ترك إدناء الجلابيب { رَّحöيماً } بهنّ، أو غفوراً لذنوب المذنبين رحيماً بهم.

 

 تفسير الالوسي :

{ يأَيُّهَا ٱلنَّبöىُّ } بعد ما بين سبحانه سوء حال المؤذين زجراً لهم عن الإيذاء أمر النبِي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر بعض المتأذين منهم بما يدفع إيذاءهم في الجملة من التستر والتميز عن مواقع الإيذاء فقال عز وجل:
{ قُل لاöزْوٰجöكَ وَبَنَِٰتöكَ وَنöسَاء ٱلْمُؤْمöنöينَ يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلَِٰبöيبöهöنَّ } روي عن غير واحد أنه كانت الحرة والأمة تخرجان ليلاً لقضاء الحاجة في الغيظان وبين النخيل من غير امتياز بين الحرائر والإماء وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء وربما تعرضوا للحرائر فإذا قيل لهم يقولون حسبناهن اماء فأمرت الحراير أن يخالفن الإماء بالزي والتستر ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن، والجلابيب جمع جلباب وهو على ما روي عن ابن عباس الذي يستر من فوق إلى أسفل، وقال ابن جبير: المقنعة، وقيل: الملحفة، وقيل: كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقيل: كل ما تتستر به من كساء أو غيره،

وقيل هو ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، والادناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الارخاء أو السدل ولذا عدي بعلى على ما يظهر لي، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل. ونقل أبو حيان عن الكسائي أنه قال: أي يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن ثم قال: أراد بالانضمام معنى الأدناء، وفي الكشاف معنى { يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ } يرخين عليهن يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك.

وفسر ذلك سعيد بن جبير بيسدلن عليهن، وعندي أن كل ذلك بيان لحاصل المعنى، والظاهر أن المراد بعليهن على جميع أجسادهن، وقيل: على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه.
واختلف في كيفية هذا التستر فأخرج ابن جرير. وابن المنذر. وغيرهما عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية {
يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلَِٰبöيبöهöنَّ } فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وقال السدى: تغطى إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين، وقال ابن عباس. وقتادة: تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الألف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه، وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير. وابن أبِي حاتم. وابن مردويه تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة.

وأخرج عبد الرزاق. وجماعة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية { يُدْنöينَ عَلَيْهöنَّ مöن جَلَِٰبöيبöهöنَّ } خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. ومن للتبعيض ويحتمل ذلك على ما في الكشاف وجهين، أحدهما أن يكون المراد بالبعض واحداً من الجلابيب وإدناء ذلك عليهن أن يلبسنه على البدن كله، وثانيهما أن يكون المراد بالبعض جزأ منه وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن، والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر وسبب النزول يقتضيه وما بعد ظاهر فيه فإماء المؤمنين غير داخلات في حكم الآية.

وعن عمر رضي الله تعالى عنه أن غير الحرة لا تتقنع. و كان لا يدع في خلافته أمة تتقنع ويقول: القناع للحرائر لكيلا يؤذينº وقال أبو حيان: نساء المؤمنين يشمل الحرائر والاماء والفتنة بالاماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح انتهى، وأنت تعلم أن وجه الحرة عندنا ليس بعورة فلا يجب ستر ويجوز النظر من الأجنبِي إليه إن أمن الشهوة مطلقاً وإلا فيحرم، وقال القهستاني: منع النظر من الشابة في زماننا ولو بلا شهوة وإما حكم أمة الغير ولو مدبرة أو أم ولد فكحكم المحرم فيحل النظر إلى رأسها ووجهها وساقها وصدرها وعضدها إن أمن شهوته وشهوتها. وظاهر الآية لا يساعد على ما ذكر في الحرائر فلعلها محمولة على طلب تستر تمتاز به الحرائر عن الإماء أو العفائف مطلقاً عن غيرهن .

و { يُدْنöينَ } يحتمل أن يكون مقول القول وهو خبر بمعنى الأمر وأن يكون جواب الأمر على حد{ قُل لّعöبَادöىَ ٱلَّذöينَ ءامَنُواْ يُقöيمُواْ ٱلصَّلاَةَ }[إبراهيم:1 3]. { ذٰلöكَ } أي ما ذكر من الإدناء والتستر { أَدْنَىٰ } أي أقرب { أَن يُعْرَفْنَ } أي يميزن عن الاماء اللاتي هن مواقع تعرضهم وإيذائهم. ويجوز إبقاء المعرفة على معناها أي أدنى أن يعرفن أنهن حرائر { فَلاَ يُؤْذَيْنَ } من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن بناء عن أنهن إماء.

وقال أبو حيان: أي ذلك أولى أن يعرفن لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ولا يلقين بما يكرهن لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها، وهو تفسير مبني على رأيه في النساء، وأياً ما كان فقد قال السبكي في طبقاته: إن أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن وإن لم يفعله السلف لأن فيه تمييزاً لهم حتى يعرفوا فيعمل بأقوالهم وهو استنباط لطيف { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } كثير المغفرة فيغفر سبحانه ما عسى يصدر من الاخلال بالتستر، وقيل: يغفر ما سلف منهن من التفريط. وتعقب بأنه إن أريد التفريط في أمر التستر قبل نزول الآية فلا ذنب قبل الورود في الشرع وإن أريد التفريط في غير ذلك ليكون وكان الله كثير المغفرة فيغفر ما سلف من ذنوبهن وارتكابهن ما نهى عنه مطلقاً فهو غير مناسب للمقام، وجوز أن يراد التفريط في أمر التستر والأمر به معلوم من آية الحجاب التزاماً وهو كما ترى { رَّحöيماً } كثير الرحمة فيثيب من امتثل أمره منهن بما هو سبحانه أهله، وقيل: رحيماً بهن بعد التوبة عن الاخلال بالتستر بعد نزول الآية، وقبل: رحيماً بعباده حيث راعى سبحانه في مصالحهم أمثال هذه الجزئيات.

 

تفسير  سيد قطب :

أمر الله نبيه ِ صلى الله عليه وسلم ِ أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة ِ إذا خرجن لحاجتهن أن يغطين أجسامهن ورؤوسهن وجيوبهن ِ وهي فتحة الصدر من الثوب ِ بجلباب كاسٍ فيميزهن هذا الزي، ويجعلهن في مأمن من معابثة الفساق.

فإن معرفتهن وحشمتهن معاً تلقيان الخجل والتحرج في نفوس الذين كانوا يتتبعون النساء لمعابثتهن.قال السدي في هذه الآية: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طريق المدينة فيعرضون للنساء. وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطريق يقضين حاجتهن. فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن. فإذا رأوا المرأة عليها جلباب. قالوا: هذه حرة. فكفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها. وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله تعالى: { وكان الله غفوراً رحيماً } أي لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.

 

تفسير  ابن عاشور:

أتبع النهي عن أذى المؤمنات بأن أمرن باتقاء أسباب الأذى لأن من شأن المطالب السعي في تذليل وسائلها كما قال تعالى:{ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها }[الإسراء: 19] وهذا يرجع إلى قاعدة التعاون على إقامة المصالح وإماتة المفاسد. وفي الحديث: " رحم الله والداً أعان ولده على بره ". وهذا الحديث ضعيف السند لكنه صحيح المعنى لأن بر الوالدين مطلوب، فالإöعانة عليه إعانة على وجود المعروف والخير.

وابتدىء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته لأنهن أكمل النساء، فذكرهن من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام به. والنساء: اسم جمع للمرأة لا مفرد له من لفظه،  فليس المراد بالنساء هنا أزواج المؤمنين بل المراد الإöناث المؤمنات، وإضافته إلى المؤمنين على معنى (من) أي النساء من المؤمنين.

والجلابيب: جمع جلباب وهو ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار والقöناع، تضعه المرأة على رأسها فيتدلى جانباه على عذارَيْها وينسدل سائره على كتفها وظهرها، تلبسه عند الخروج والسفر.

وهيئات لبس الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النساء تبينها العادات. والمقصود هو ما دل عليه قوله تعالى:{ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين }.

والإöدناء: التقريب، وهو كناية عن اللبس والوضع، أي يضعن عليهن جلابيبهن،

وكان لبس الجلباب من شعار الحرائر فكانت الإöماء لا يلبسن الجلابيب. وكانت الحرائر يلبسن الجلابيب عند الخروج إلى الزيارات ونحوها فكُنَّ لا يلبسْنَها في الليل وعند الخروج إلى المناصع، وما كنّ يخرجن إليها إلا ليلاً فأمرن بلبس الجلابيب في كل خروج ليعرف أنهن حرائر فلا يتعرض إليهن شباب الدُّعّار يحسبهن إماء أو يتعرض إليهن المنافقون استخفافاً بهن بالأقوال التي تخجلهن فيتأذيْنَ من ذلك وربما يسببْن الذين يؤذونهن فيحصل أذى من الجانبين. فهذا من سدّ الذريعة. والإöشارة بِ { ذلك } إلى الإدناء المفهوم من { يدنين } ، أي ذلك اللباس أقرب إلى أن يُعرف أنهن حرائر بشعار الحرائر فيتجنب الرجال إيذاءهن فيسلموا وتسلمن. وكان عمر بن الخطاب مدة خلافته يمنع الإöماء من التقنع كي لا يلتبسن بالحرائر ويضرب من تتقنّع منهن بالدّرة ثم زال ذلك بعده،

والتذييل بقوله: { وكان الله غفوراً رحيماً } صفح عما سبق من أذى الحرائر قبل تنبيه الناس إلى هذا الأدب الإöسلامي، والتذييل يقتضي انتهاء الغرض.

 

 تفسير الشعراوي :

نلاحظ أن الأمر توجه أولا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لبناته، وهذا يعني أن رسول الله لا يأمر أمته بشيء هو عنه بنجوى, إنما يأمرهم بشيء بدأ فيه بأهل بيته، وهذا أدعى بقبول الأمر وتنفيذه.

وورود النص هذه الصيغة دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينقل النص الذي جاءه كما أنزل إليه، ليعلم الجميع أن الأمر من الله، وما محمد إلا مبلغ عن الله, فمن أراد أن يناقش الأمر فليناقش صاحبه.

{ يدنين } مجزوم في جواب الطلب (قل) وفي الآية شرط مقدر: إن تقل لهن يدنين يدنين، كما في { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا }الحج27.لأن الخطاب هنا للمؤمنات، وإن لم يستجب هؤلاء للأمر، فقد اختل فيهن شرط الإيمان.

وفي معنى الإدناء:تقريب شيء من شيء، والمراد: يدنين جلابيبهن أي: من الأرض لتستر الجسم. وقوله{ عَلَيْهöنَّ } يدل على أنها تشمل الجسم كله، وأنها ملفوفة حوله مسدولة حتى الأرض.

والجلابيب مفردها جلباب، وقد اختلفوا في تعريفه فقالوا :هو الثوب الذي يلبس فوق الثوب الداخلي، وقالوا :هو الخمار الذي يغطي الرأس ويضرب على الجيوب، لكن هذا غير كاف، فلا بد أن يسدل إلى الأرض ليستر المرأة كلها, لأن جسم المرأة عورة,ومن اللباس ما يكشف,ومنه ما يصف,ومنه ما يلفت النظر.وشرط في لباس المرأة الشرعي ألا يكون كاشفا,ولا واصفا,ولا ملفتا للنظر.

 

  من خلال ما تقدم من تفسير وتأويل للآيتين موضع الجدل ( الآية 31 من سورة النور والآية 59 من سورة الأحزاب يمكن أن نستخلص ما اتفق عليه جمهور العلماء في النقاط التالية:

·         لباس المرأة  المؤمنة يشمل الخمار والجلباب

·         لا تبدي المرأة المؤمنة زينتها إلا لمحارمها

·         المرأة  المؤمنة مطالبة بستر كامل بدنها عدا الوجه واليدين

·         ستر البدن يجب أن يشمل الرأس والرقبة والصدر

 

        و على ذلك فان الحجاب الذي ترتديه المرأة المؤمنة إن كان يغطي رأسها وصدرها ورقبتها فهو فرض باتفاق جمهور العلماء ومن يدعي غير ذلك فقد خالف كبار علماء المسلمين منذ القرن الرابع للهجرة إلى عصرنا هذا وقد جاء تأويل جديد لم يسبقه إليه أحد من علماء الأمة الإسلامية.قال تعالى : { وَلا تَقُولُوا لöمَا تَصöفُ أَلْسöنَتُكُمُ الْكَذöبَ هَذَا حَلالñ وَهَذَا حَرَامñ لöتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهö الْكَذöبَ إöنَّ الَّذöينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهö الْكَذöبَ لا يُفْلöحُون * مَتَاعñ قَلöيلñ وَلَهُمْ عَذَابñ أَلöيم} (النحل:116-117).

الكاتب : حامد الشقراوي من تونس

 

المراجع:

- لسان العرب لابن منظور

- النهاية في غريب الأثر للجزري

- جامع البيان في تفسير القران للطبري

- بحر العلوم للسمرقندي

- النكت والعيون للماوردي

- معالم التنزيل للبغوي

- تفسير الكشاف للزمخشري

- زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي

- مفاتيح الغيب ، التفسير الكبيرللرازي

- الجامع لاحكام القران للقرطبي

- أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي

- تفسير القران الكريم لابن كثير

- غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري

- تفسير الجلالين: المحلي و السيوطي

- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي

- فتح القديرللشوكاني

- روح المعاني للالوسي

- الوسيط في تفسير القرآن الكريم للطنطاوي

- في ظلال القرآن لسيد قطب

- التحرير والتنوير لابن عاشور

- أضواء البيان في تفسير القرآن للشنقيطي

- تفسير القرآن للشعراوي


المقالات الخاصة بنفس الكاتب

الحجاب فرض أم بدعة 


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca