هلت علينا نسمات وعبير أيام خير وبركة، أيام قال الله تعالى فيها"ولله على الناس حج البيت من اسنطاع اليه سبيلا"، أيام تردد الدنيا كلها مع حجاج بيت الله الحرام لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، أيام يسارع فيها عباد الرحمن لنيل رضى الرحمن جلا وعلا، أيام فيها العمل الصالح أحب الى الله عز وجل.
ايام يسارع الحجاج للطواف ببيت الله وزيارة قبر نبيه (ص) والإخوان المسلمين منذ نشأتهم عام 1928م وهم حريصين على اقامة شرائع الله، فكانت الرحلات تخرج تباعا.
وفى 11 من ذى الحجة 1353هِ الموافق 16 مارس 1935م انعقد فى القاهرة مجلس الشورى الثالث للإخوان حيث اقر لائحة الحج داخل الجماعة جاء فيها :على كل اخ مسلم ان بتجهز لأداء فريضة الحج فى حدود استطاعته.
وعلى الإخوان توحيد خطتهم فى السفر حتى يخرجوا جماعة واحدة.
ومن ثم سارع الإخوان بالتجهز للخروج فى اول بعثة للإخوان عام 1354هِ/1936م.
رحلة الحج عام 1354هِ/1936م.
أعلن الإخوان ان الإمام البنا سيقوم برحلة للحج هذا العام وسيستقل الباخرة يوم 24 فبراير 1936م فلبى الدعوة على الفور مائة من الإخوان كان منهم ثمانى عشرة امرأة، وقد سافرت البعثة على الباخرة الكوثر، وخرج فيها الشيخ حامد عسكرية والأستاذ عبد الله سليم والسيدة الفاضلة لبيبة أحمد - صاحبة مجلة النهضة النسائية ورئيسة قسم الأخوات المسلمات – وقد أدت البعثة مناسك الحج، كما حضرو الندوات والمؤتمرات التى اقيمت ولم يكن الإمام البنا قد عرف وسط جموع الناس خارج مصر، وفى احدى المؤتمرات القى الإمام البنا كلمة بين فيها اهمية الحج فى توحيد المسلمين جاء فيه: أيها الشباب العربي الكريم لا نريد أن نمدحك فأنت في غنى بفضائلك عن المدح ونحن في حاجة إلى الوقت، ولا نريد أن نشكرك على هذه الحفاوة فإنما نزلت فيها على طبعك الكريم وشيمتك العربية من كرم الوفادة وقرى الأضياف، ولكننا نريد أن نتناجى بالآمال والآلام ونتلاقى بالعواطف والأرواح ونتواصى بالحق والصبر.
أيها الشباب العربي الكريم لقد كان هواك من قبل عاطفة فاضلة، فأصبح اليوم حقيقة ماثلة، كان عاطفة يهزها قول الله تبارك وتعالى: (وَإöذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّöلنَّاسö وَأَمْنًا وَاتَّخöذُوا مöن مَّقَامö إöبْرَاهöيمَ مُصَلًّى) [البقرة: 125] وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأصيل حين سألته السيدة عائشة الصديقية عن مكة فأخذ يصف لها رفيف عراها وأريج زهرها حتى اغرورقت عينا الرسول صلى الله عليه وسلم بالدمع وقال: "يا أصيل دع القلوب تقر" وقول بلال رضي الله عنه:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
كما ان جريدة أم القرى كبرى الجرائد السعودية رحبت الإمام البنا وصحبه فنشرت تحت عنوان: "على الرحب والسعة" تقول: "وصل على الباخرة كوثر التي أقلت الفوج الأخير من الحجاج المصريين كثير من الشخصيات المصرية المحترمة لم تسعفنا الظروف بالتعرف إليهم إلا بعد صدور العدد الماضي وإنا نذكر منهم الأستاذ الكبير حسن أفندي البنا المرشد العام لجمعية الإخوان المسلمين.
ولقد عادت البعثة الى مصر فأقام الإخوان حفل تكريم للعائدين تبارى فيه الشعراء ومما جاء فيه
مرحبا يوم قدوم المرشد عمت الفرحة أرجاء الندى
ثم توالت رحلات الحج بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد اقرار لائحة الحج الجديدة عام 1944م، فكانت رحلة اعوام
1945، 1946 ،1948م.
رحلة الحج عام 1945م.
تحركت الرحلة يوم 3من ذى الحجة1364هِ - 8 من نوفمبر 1945م حيث تجمع الحجاج فى المركز العام، وكان فى هذه الرحلة الحاجة زينب الغزالى والأستاذ أنور الجندى وغيرهم كثير وكتب الإمام البنا يقول: "أيها الأخ الكريم.. إن كنت ممن سمعوا هذا النداء فأجابوا الدعاء وقدر لهم أن يكونوا فى وفد الله تبارك وتعالىº فاعلم أنها غرة السعادة، وفاتحة الخير كله، وعنوان رضوان اللهº فما دعاك إلا وهو يحبك، وما ناداك إلا ليمنحك، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم.
فهنئ نفسك بهذا الفضل المبين، وتقبل منا تهنئة الإخوان المحبين، واذكرنا بصالح الدعوات فى تلك الأوقات الكريمة والأماكن المشرفة".
وظلت هذه الرحلة ما يقرب من اربعين يوما، وبعد اداء المناسك عقدت المؤتمرات والندوات فقد عقد مؤتمر منى فى السبت 12 من ذى الحجة تحدث فيه كثير من الناس كما تحدث فيه الإمام البنا كماعقد مؤتمر فى مكة المكرمة وأخر فى المدينة ومما جاء فى كلمة الإمام البنا: "لقد جئنا للتعرف بكم، ولجمع الكلمة التى دعا إليها القرآن الكريم، وإنى أريد أن ألفت نظركم إلى أن هذا الدين الحنيف قد أنقذنا من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة ]قَدْ جَاءَكُم مّöنَ اللهö نُورñ وَكöتَابñ مُّبöينñ * يَهْدöى بöهö اللهُ مَنö اتَّبَعَ رöضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمö وَيُخْرöجُهُم مّöنَ الظُّلُمَاتö إöلَى النُّورö بöإöذْنöهö وَيَهْدöيهöمْ إöلَى صöرَاطٍ مُّسْتَقöيمٍ[، كان العالم فى حيرة، نشأ على فساد من العقيدة وظلمة من الجهل، فبنى على غير أساس وعمل على غير هدى، فجاء الإسلام ينير له الطريق السوى، ويهديه إلى سواء السبيل ]أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مöنَ اللهö وَرöضْوَانٍ خَيْرñ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بöهö فöى نَارö جَهَنَّمَ[.
ثم عادت الرحلة يوم 10 من المحرم 1365هِ، على ظهر الباخرة قنديلا.
رحلة الحج علم 1946م.
خرجت هذه البعثة يوم 4من ذى الحجة 1365هِ الموفق 29 من أكتوبر 1946م ووصلت جدة يوم 6 من ذى الحجة 1356هِ، وقد لقى الإخوان والحجاج عنتا ومشقة بسبب ندرة السيارات، ولقد اقام الملك عبد العزيز مآدبة غداء لبعثة الإخوان، كما اقام الإخوان حفل شاى للأمرا والحجاج البارزين فى فندق بنك مصر وبعد اداء مناسك الحج عادت البعثة يوم الأربعاء 10 من المحرم 1366هِ الموافق 4 من ديسمبر 1946م.

رحلة الحج عام 1948م.
كانت رحلة الحج هذا العام تعد من اكبر رحلات الحج حيث وصلت البعثة الى جدة يوم 3من ذى الحجة 1367هِ الموافق6 اكتوبر 1948م، وقامت البعثة بأداء مناسك الحج، وعقدت المؤتمرات وجاء فى كلمة الإمام البنا:"أيها الإخوان.. إننا فى بلد الله الحرام وأمام بيت الله الحرام، وزمزم ومقام ابراهيم نعاهد الله عهدا وثيقا على اننا سنحمل عبء الجهاد والتضحية فى سبيل اعتناق مبادئ الإسلام السامية وتعاليمة الجكيمة وسنحارب بعون الله جميع البدع والخرفات الدخيلة على ديننا السليم المينى على التوحيد الصحيح تلكم الفكرة السليمة التى من ذاق طعمها ذاق حلاوة الإيمان وكان عند الله من المقبولين".
ولقد كانت جنود الإخوان المسلمين يحاربون فى فلسطين فى ذلك الوقت –وتوجه الإمام البنا الى البقيع وزاره كما زار قير حمزة بن عبد المطلب ودعى الله ان يرزقه الشهادة فى سبيله.
وقد واجهت الإمام البنا بعض المؤامرات فى هذه الرحلة فعندما توجه الأستاذ حسن البنا إلى مطار القاهرة للحج في 23من سبتمبر 1948م ومعه جواز سفر، يتيح له السفر إلى جميع أنحاء العالم.. وعلى الجواز أيضًا تأشيرة تسمح له بأن يستقل طائرة شركة "سعيدة"، قام العقيد حسن فهمي مفتش الجوازات بسحب الجواز منه، وألغى جميع الدول المصرح له بالسفر إليها واكتفى منها بالمملكة العربية السعودية، وقال إنه فعل ذلك بناء على تعليمات من عمر حسن – مدير القسم المخصوص، وسافر المرشد العام إلى المملكة العربية السعودية فأبرقت وزارة الداخلية إلى القنصل المصري في جدة بعدم السماح للبنا بالسفر إلى أية دولة عربية أخرى ولم تستطع الحكومة منع البنا من السفر لأداء الحج وإلا قيل إنها صدته عن الحج، ومن ناحية أخرى فإن الحكومة المصرية أعدت العدة لقتله في السعودية على أن تنسب الجريمة إلى بعض اليمنيين!، وكان أمير الحج المصري حامد جودة – رئيس مجلس النواب الذي ينتمي إلى الحزب السعدي – قد صحب معه بعض الأشخاص الخطرين، ولكن الحكومة السعودية استشعرت ذلك فأنزلت المرشد العام ضيفًا عليها وأحاطت مقره بحراسة شديدة وقدمت إليه سيارة خاصة بها جندي مسلح لمنع الاعتداء عليه.
وعادت الرحلة يوم 21 من المحرم 1368هِ الموافق 23نوفمبر1948م،لتجد ان المؤامرات تحاك ضد الجماعة، وقد صدر قرار بحل الجمعية فى الإسماعيلية، ثم حلت الجماعة كلها فى 2 ديسمبر1948م ثم اغتيل الإمام حسن البنا فى 12 فبراير1949م.
لقد حرص الإمام البنا على اداء فريضة الحج بالرغم من الصعاب التى كانت تواجهه لعدة اسباب:
1- لقاء الأحباب فى الأراضى المقدسة.
2- لنشر الدعوة وسط الناس فى مختلف البلدان.
3- لتنظيم عمل الدعوة خارج مصر.
4- لتعريف الناس فى المؤتمرات بما يحدث فى فلسطين.
وقد آتت هذه البعثات بثمار طيبة وغرس حين ظل وسيظل يعمل للإسلام الى ان يرث الله الأرض ومن عليها.فاللهم انعم علينا بزيارة بيتك الحرام واجعلنا على درب رسول الله سائرين وثبتنا على طيرق الحق انك نعم المولى ونعم النصير.
للمزيد من المعلومات:-
1- سلسلة كتب اوراق من تاريخ الإخوان المسلين،الأستاذ جمعة امين عبد العزيز، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
2 – سلسلة كتب من تراث الإمام البنا، شركة البصائر للبحوث والدراسات، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
عبده مصطفى دسوقى
كاتب وباحث تاريخى
Abdodsoky1975@hotmail.com