الحمد الله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى لاسيما محمد عبده الرسول المصطفى والنبي المجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
فمن المعلوم يقينًا أن النواميس الكونية لا تتغير ولا تتبدل، وليس فيها محاباة أو مجاملة لأحد.
فالأمة التي تأخذ بأسباب التقدم والرقي أمة بلا شك متقدمة راقية، والأمة التي تتجاهل النواميس الكونية وتسير نحو الوراء أمة متخلفة في كل مجالات الحياةº لأنها لم تأخذ بأسباب الريادة، وتجاهلت أسباب السيادة.
والأمة الإسلامية على مدى تاريخها الطويل مرت بمراحل متباينة: فمرة كانت قوية فتية، ومرة كانت هزيلة ضعيفة، وهذا بلا شك خاضع للقوانين الربانية والنواميس الكونية.
والمستعرض للتاريخ يرى كم من مرة كبا جواد هذه الأمة، ثم انتفض بعد ذلك وتابع مسيرهº لأن أمة الإسلام قد تضعف أو يصيبها الفتور والخور إلى أمد قد يطول أو يقصر لكنها –أبدًا- لا تموتº لأنها أمة شاهدة لا مشهود عليها {وَكَذَلöكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لöتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسö وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهöيدًا}[البقرة: 143].
وإذا كانت الأمة الإسلامية اليوم تعيش فترة من أشد الفترات التي مرت بها اضطهادًا وتمزقًا وتشرذمًا، إلا أن النواميس الكونية والسنن الربانية قد بينت أن خلف كل محنة منحة، وأن أشد فترات الليل ظلمة هي تلك التي يعقبها نور الفجر الساطع الذي يبدد ظلامها، ويسحق دياجيرها بأنواره الساطعة، لكن النجاح يحتاج إلى عمل دءوب، وصبر تام حتى يتحقق، يقول الشاعر:
|
إöن تكن للعُلى والمجدö منتظöرًا وادفعْ بعزمك للأهوالö محتقöرًا
|
فاضربْ بزöنْدöك صَلْدًا يقدحö الشَّررا لا يمتطي المجدَ من لَمْ يركب الخطرا
|
ولا ينال العُلى من قَدَّم الحذرا
|
ما بالهُوَيْنا ينالُ المجدَ آملُهُ لا يدركُ المجدَ من لانتْ مآكله
|
منيعةñ صَعْبة المَرْقَى مَنازلُهُ لا تحسبö المجدَ تَمْرًا أنت آكله
|
لن تبلغَ المجد حَتَّى تَلْعَق الصَّبöرا()
والأمة مجموعة من المجتمعات، والمجتمع مجموعة من الأسر، والأسرة مجموعة من الأفرادº إذن الفرد هو العمود الفقري للأمة، فإن سلم هذا الفرد من الآفات وكان قويًّا فتيًّا إيجابيًّا كانت أمته كذلك بلا شك، وإن كان على العكس فمجتمعه سيكون بالمثل.
والمجتمع الذي لا يعرف أفراده الإيجابية ولا يعملون لها ومن أجلها مجتمع متفكك متأخر متشرذم.
ونحن في سبيل الإصلاح، إصلاح الأفراد والمجتمعات، نحتاج لأن نؤصل قيمة الإيجابية بيننا، وأن نفعّöلها، حتى يتم التغيير {إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ}[الرعد: 11].
فالإيجابية حياة... حياة بمعنى الكلمة للأفراد والمجتمعاتº لأن السلبيين أموات وإن كانوا يدبون على ظهر الأرض بأرجلهم، وباطنها أولى لهم من ظاهرها إذا استمرءوا هذه الحياة الدون.
ومن هنا أردنا أن نسجل هذه الأسطر عن الإيجابية وأهميتها في بناء الفرد والمجتمع، مع ذكر أمثلة لمن تحققت فيهم الإيجابية لنتخذ منهم القدوة والأسوة.
والله من وراء القصد، وهو المستعان، وعليه التكلان، {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإöلَيْكَ أَنَبْنَا وَإöلَيْكَ الْمَصöيرُ}[الممتحنة: 4].
مفهوم الإيجابية
الإيجابية لغة:
هي مصدر صناعي من "وجب الشيء يجب وجوبًا: لزم وثبت، [و]أوجب الشيء: جعله لازمًا"().
و"قال اللحياني: وجب البيع جöبَةً ووجوبًا، وقد أوجب لك البيع وأوجبه هو إيجابًا. ا.ﻫ
يقال: وجب البيع يجب وجوبًا، وأوجبه إيجابًا، أي: لزم"().
الإيجابية اصطلاحًا:
وهي –فيما نرى: حالة في النفس تجعل صاحبها مهمومًا بأمر ما شرعي، ويرى أنه مسئول عنه تجاه الآخرين مسئولية أدبية نابعة من ذاته، ولا يألو جهدًا في العمل له، والسعي من أجله.
محمد فتحي النادي
باحث في الفكر الإسلامي
Mf_elnady@hotmail.com