بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وصلاة وسلاما على نبينا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
فإني قد ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذه الصفحات عن جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين مخافة أن يظن الناس أنى أقصد من وراء ذلك دعاية للإخوان أو تفاخراً بأعمالهم وجهادهم والإخوان بحمد الله أزهد الناس في الدعاية وأشدهم عزوفا عن الضجيج والإعلان ثم إن النتيجة العامة للحرب ليست مما يشجع أحداً على الفخر ببطولته مهما كان شجاعاً أو بجهاده مهما كان مخلصا في هذا الجهاد .
والناس من يلق خيرا قائلون له ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
وهذه الهزيمة التي منينا بها في فلسطين ليست هزيمة لطائفة دون أخرى ولكنها هزيمة تقع على الأمة العربية والإسلامية كلها ويشترك فيها الصغير والكبير وهذا الجيل والأجيال التي تليه والإخوان يحسون بهذه الهزيمة ويجترون مرارتها ولن يخفف من وقعها على أنفسهم أنهم أخلصوا النية في جهادهم وبذلوا أقصى ما يستطيعون من جهد ليحولوا دون وقوع الكارثة الرهيبة .
ولقد سردت الوقائع كما شهدتها من غير تزييف ولا مواربة ذلك لأنني أعتقد أن الهزائم هي الوسيلة للنصر وأن الذي لا يهزم لا يعرف كيف ينتصر وليس عيبا أن تهزم الشعوب ولكن العيب كل العيب أن تستنيم هذه الشعوب للهزيمة وتستسيغ الراحة و الدعة تحت ذكرياتها ونتائجها وكما أن معرفة الداء هي أول مراحل العلاج فإن معرفة الأخطاء هي أول مراحل النجاح ومن هنا حاولت أن أعالج ظروف الحرب الفلسطينية وأسباب الفشل قيها بشيء غير قليل من الصراحة وهو ما سيراه القارئ بارزا في كل جملة من هذه الصفحات فإن ضياع فلسطين وتشريد أهلها وهزيمة العرب والمسلمين فيها كل هذا عندي أهم بكثير من إرضاء حاكم أو قائد أو زعيم ولأني أريد أن أضع الحقائق المجردة على ما فيها من مرارة وقسوة بين يدي الجيل الجديد عساه يتخذ من هزائمنا جسرا يصل به إلى النصر الحاسم ومن أخطائنا وهفواتنا دروسا يستنير بها يوم يبدأ زحفه الميمون لتطهير الأرض المقدسة من أرجاس البشرية ونفايات الشعوب .
ولعل من حسن الحظ أن تصدر الطبعة الثانية من هذا الكتاب وقد بدأ الشعب يعرف حقيقة جهاد الإخوان وتضحياتهم في حرب فلسطين ويعرف أن الاضطهاد الذي وقع عليهم إنما قصد به إبعادهم عن ميادين الجهاد خدمة للصهيونية والاستعمار كما بدأ الشعب يحس أنه كان مخدوعا حين خضع لتأثير الدعاية التي دبرتها حكومة الطغيان وساهمت فيها الصحافة المغرضة بنصيب وافر والتي حاولت فيها أن تنال من هذا الجهاد البريء لتظهره للناس في صورة مظلمة على أنه بداية لحركة ثورية كبرى أريد بها إضرام حرب أهلية في مصر وإغراق شعبها الآمن في لجة من الدماء .
فإلى الجيل الجديد من الإخوان المسلمين حيث يتركز الأمل الباسم للإسلام وشعوبه و إلى المهاجرين من أهل فلسطين حيث يهيمون على وجوههم في انتظار ساعة الخلاص
أهدى هذه الصفحات راجيا أن تنال القبول والله من وراء القصد وهو نعم النصير. المؤلف