((إن بريطانيا إذا حكمت أمة مائة عام
فإن سياستها تحكم بعدها مائة عام أخرى ))
فلسطين بلاد عربية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا تلك حقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ولكن أبت السياسة الإنجليزية الاستعمارية إلا أن تجعل منها قضية شائكة متشعبة وأن تجعل من شعبها البائس كبش الفداء أمام سلطان اليهود ونفوذهم ولن تجد مشكلة لعب فيها الاستعمار دوراً رئيسياً كهذه المشكلة ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا : إن بريطانيا هي التي خلقتها لتحقيق خطة مرسومة فالمعروف أن اليهود اضطروا في أواخر القرن الماضي من جراء المذابح الهمجية التي وقعت عليهم في عهود الطغيان إلى التفكير في إيجاد وطن قومي يحتمون بجنسيته ويكون ملاذاً لهم إن هبت عليهم العواصف وأصبحوا هدفا لطغيان جديد ولم تكن فلسطين هي هدفهم الأوحد لكنهم اختلفوا في تحديد الأرض التي يلجئون إليها وكانت فلسطين أحد المواطن التي فكروا فيها لما لهم بها من صلات تاريخية ترجع إلى آلاف السنين وكانوا يعلمون حقيقة الصعاب التي تعترضهم في الوصول لهذه الغاية ففلسطين في ذلك الحين كانت جزءا من أملاك الدولة العثمانية فوق ما تحتله من مكانة خاصة في نفوس العرب والمسلمين فحاولوا جس النبض في عاصمة آل عثمان وتوجه زعماؤهم إلى الباب العالي يلتمسون شراء بعض الأراضي واستثمارها غير أن السلطان قابلهم بجفاء وغلظة مما جعلهم ينصرفون عن التفكير في هذا الشأن حتى قامت الحرب العظمى في عام (1914 ) وتغيرت تبعا لنتائجها أوضاع كثيرة في العالم وورثت بريطانيا وحليفاتها تركة ( الرجل المريض ) بمقتضى معاهدة ( سايكس بيكو ) في سنة (1916) وآلت فلسطين إلى بريطانيا فوجدها اليهود فرصة سانحة وقاموا يعاودون السعي فلم يجدوا هذه المرة إعراضا ولا جفاء ولكن وجدوا تأييدا وعطفا شاملا مما أغراهم بمضاعفة الجهود والسير بالفكرة نحو التنفيذ .
كان هناك شبه اتفاق بين الحلفاء والجماعات اليهودية على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين واستطاعت الفكرة الصهيونية أن تكسب نصرا جديدا حين عمل بعض زعمائها أمام عصبة الأمم وترك للجنة منهم رسم الخطة التي تنتهجها دول الحلفاء لإبراز الفكرة إلى عالم الوجود ومن هنا جاء صك انتداب فلسطين ضربة قاصمة لآمال العرب ومشجعا لليهود على مواصلة الكفاح ويكفي لإبراز الشذوذ الذي كان يرافقه أن نثبت بعض ما جاء في نصوصه الرسمية فقد جاء في البند الثاني من ذلك الصك ما نصه :
((تكون الدولة المنتدبة (أي بريطانيا) مسئولة عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي )) وجاء في المادة الخامسة ما نصه :
((يعترف بهيئة يهودية صالحة كهيئة عمومية لتشير وتعاون في إدارة فلسطين في الشئون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك مما يؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين )).
ونلاحظ أن صك الانتداب قد حوى كل هذه الضمانات لليهود حين كان عددهم في فلسطين لا يكاد يتجاوز (6%) من مجموع عدد السكان ومما يؤكد تدخل الإنجليز ليخرج الصك على هذه الصورة الشاذة أن نصوصه لم تخرج في معناها عن الوعد المشهور الذي وجهه اللورد ((بلفور)) وزير خارجية بريطانيا في 2 نوفمبر سنة 1917) إلى البارون ((روتشيلد)) الزعيم الصهيوني الإنجليزي والذي جاء فيه :
((إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسنبذل جهدنا لتسهيل تحقيق هذه الغلبة على أن يفهم جليا أنه لم يؤت بعمل من شأنه أن يضير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الأخرى)).
وواضح ما في هذا التصريح من تناقض عجيب فإن مجرد التفكير في إقامة وطن قومي لليهود يضر أبلغ الضرر ((بالطوائف غير اليهودية )) وهم أهل البلاد والغالبية العظمى من السكان .