((اليوم انتهت الحرب الصليبية)) مارشال اللنبى
حاولت بريطانيا تخدير العرب والتقليل من هذا الخطر فأصدرت عدة تصريحات تشير إلى أن الوطن القومي لا يعنى قيام حكومة يهودية وإنما لا يزيد على كونه وطنا روحيا لليهود تماما كالفاتيكان للمسيحيين أو مكة للمسلمين و((لإظهار مواهب اليهود الثقافية وتمكينهم من ممارسة حريتهم الدينية وأكدت في الكتاب الأبيض الذي أصدره المستر (باسفيلد ) وزير المستعمرات البريطانية في عام (193). ((أنها لا ترمى إلى إنشاء حكومة يهودية لأن كل محاولة لتوسيع الوطن القومي إلى نقطة أبعد من تلك التي وصل إليها تعتبر خرقا للعهود المقطوعة للعرب )).
بيد أن هذه العهود الزائفة لم تمنع بريطانيا من السير في خطتها المرسومة وأخذت تضع الوسائل إنجاز المهمة التي انتدبت من أجلها في فلسطين فبدأِ بتعيين إدارة إنجليزية أغلب موظفيها من اليهود أو من الإنجليز الذين اشتهروا بعدائهم للعرب فعينت السير (هربرت صموئيل ) اليهودي مندوبا ساميا في فلسطين وعينت ( نورمن بنتويتش ) اليهودي نائبا عاما للحكومة وتركت له سن التشريعات والقوانين التي تسير عليها الإدارة وملأت المناصب الكبرى بالموظفين اليهود ثم فتحت باب الهجرة(المشروعة) على مصراعيه حتى زاد عدد اليهود أضعاف ما كان عليه قبل عهد الانتداب فبينما كان عددهم لا يزيد على خمسين ألف نسمة في عام 1916 وصل الرقم لأكثر من نصف مليون في عام (194.) ورغم هذا العدد الهائل الذي وصل بطريق الهجرة المشروعة فقد أخذوا ينظمون خطة واسعة لتهريب مئات الألوف من اليهود المقيمين في مختلف بلدان أوربا وكان المفروض أن ينتقل إلى فلسطين اليهود البؤساء الذين ضاقت بهم سبل العيش وذاقوا مرارة الحرمان في معتقلات النازية ولكن قلة تافهة من المهاجرين هي التي كان ينطبق عليها وصف المشردين أما الباقون فكانوا من الرجال الأشداء الذين حشدوا لغرض خاص وقد أوضح الجنرال ((مورجان)) رئيس منظمة ((الأونرا)) حقيقة الخبر حين قال : ((إن هؤلاء المهاجرين ليسوا مشردين ولا بؤساء وإنما يحشدون لمهمة سياسية لا تمت للإنسانية والإنقاذ بسبب من الأسباب )).
وكانت بريطانيا تتعلل أمام العرب بعجزها عن وقف تيار التهريب بينما كانت ناجحة أبلغ النجاح في منع أي عربي من دخول فلسطين متى دعت الضرورة إلى ذلك كما وقفت أمام الإخوان المسلمين مما سيأتي بيانه بعد حين وكانت حركة التهريب وإيواء اللاجئين تحتاج إلى أموال طائلة يعجز عن توفيرها يهود فلسطين بمفردهم فلم تدخر الحكومة البريطانية جهدا في تسهيل السبل أمام وفودهم ليطوفوا أنحاء العالم ويستحثوا إخوانهم من اليهود على بذل التبرعات الضخمة وكان هذا يحدث في بريطانيا نفسها وتتولى الحكومة مهمة نقل هذه الأموال وتسهيل وصولها وصرفها .
ولقد حاول العرب تقليد اليهود في هذه الحركة وطلبوا السماح لوفودهم بالطواف في بلدان العالم الإسلامي لجمع التبرعات والإعانات وصرفها في استنقاذ الأراضي وتنفيذ مشاريع الإصلاح ولكن السياسية المتقلبة كانت تضع في وجوههم كافة العراقيل وكمثال لذلك يكفي أن نذكر أن وفدا من المؤتمر الإسلامي العالمي الذي انعقد في القدس عام (1933) سافر إلى الهند ليتولى جمع التبرعات من مسلميها ولقى هناك إقبالا عظيما وترحيبا فائقا حتى أن نظام حيدر أباد تبرع بمليون روبية وتبرع مولانا طاهر سيف الدين ((سلطان البهرة)) بحوالي نصف المليون كما تبرع كثير من زعماء المسلمين وقادتهم بمبالغ كبيرة غير أن الحكومة فطنت لخطورة هذه الحركة فأرسلت إلى حاكم الهند العام بلاغا سريا تأمره بوقف هذا النشاط النشاط واتخاذ كل وسيلة لمنع تصدير هذه الأموال بحجة ((أن ذلك مخالف لسياسية حكومة جلالة الملك في فلسطين )) كما جاء في نصوص هذا البلاغ .
ولم تقف معونة بريطانيا عند حد تسهيل السبل أمام اللاجئين وتمويلهم بل عمدت إلى سن تشريعات وقوانين تكفل انتقال الأرض العربية إلى اليهود عن طريق الضرائب الباهظة التي أثقلت بها كاهل الفلاح العربي وعن طريق تنازلها لليهود عن الأملاك الأميرية ومعظم الأراضي البور حتى بلغ ما وقع في يد اليهود من جراء هذه الخطة حتى عام (1938) أكثر من (22) بالمائة من مجموع الأراضي بينما كانت أملاكها قبل الانتداب لا تزيد عن (3) بالمائة من مجموعها ورأى العرب أن أرضهم توشك أن تنقرض من جراء هذه السياسة الغاشمة فالتمسوا من الحكومة تخفيف ضرائب الأملاك ومراعاة الفارق بين مستوى الفلاح اليهودي والفلاح العربي سواء في ناحية المال أو الإنتاج ووضع قيود تكبل انتقال الأرض بهذه الصورة وبخاصة أن اليهود كانوا يدفعون مبالغ خيالية إذ كان المتر الواحد يصل في بعض المناطق إلى مئات الجنيهات ولكن الحكومة استمرت في طريقها المرسوم مما اضطر الشباب العربي إلى إعلان حركة إرهابية على السماسرة والبائعين وأدى ذلك إلى اغتيال عدد من الخونة .
وتعددت محاولات كثيرة لاغتيال عدد آخر لكنها فشلت وغادر أكثر السماسرة البلاد العربية المجاورة حيث لا يزالون يعيشون فيها عيشة بذخ وإسراف .
ولم يكن في وسع الشباب العربي أن يفعل غير هذا إذ لم تكن لديهم كما أسلفت وسائل التنظيم والتمويل ولم يكن إخوانهم في أقطار العروبة جادين في معونتهم رغم المشروعات التي اقترحت والمؤتمرات التي انعقدت وتمخضت كلها عن قرارات كثيرة ((خطيرة)) لم يكن أثر مطلقا إلا في عوالم الحبر والورق غير أن هذا الحركات الإرهابي رغم أنها لم توقف حركة البيع والسمسرة جاءت بالنتائج الوخيمة إذ خلفت وراءها جراحا عميقة وخصومات شديدة بين القبائل التي ينتمي إليها القاتلون والمقتولون وبذلك حقق الاستعمار هدفين من أهدافه فاستمر في نقل الأراضي العربية لليهود وطبق نظريته التقليدية العتيدة (فرق ... تسد) وهكذا انتقل كثير من الأرض العربية إلى اليهود والتنقل معها التفوق الكامل سواء في التجارة أو في الصناعة ففي الصناعة منحت حكومة الانتداب لليهود كثيراً من المشروعات الهامة كشركة الكهرباء الفلسطينية وشركات استغلال معادن البحر الميت وغيرها أما في التجارة فقد ابتدعت أسلوبا عجيبا في معاملة التجار العرب والتضييق عليهم ففرضت ضرائب باهظة على الوردات حتى تفتح الأسواق أمام الصناعات اليهودية المحلية .
على أن هذه السياسية المستترة لم تلبث أن وضحت وضوحا سافرا حين أخذت بريطانيا تدرب الشباب اليهودي على القتال وتفتح السبل أمامه لتشكيل الفرق واسترداد الأسلحة ثم تمكنه من الاستيلاء على مخازن السلاح ومواقع الدفاع المنيعة ولم تغادر أرض فلسطين إلا بعد أن اطمأنت إلى تسليح المستعمرات والقرى وتحصينها ثم كشفت القناع نهائيا عن وجهها البغيض حين أسلمت اليهود أمهات المدن والموانئ العربية .