((إن أهداف الصهيونيين هي إبادة العرب جميعا
وإقامة هيكل سليمان محل المسجد الأقصى)) دكتور ليدر- رئيس اللجنة الصهيونية
ما كادت الحرب العامة الأولي تضع أوزارها حتى شملت البلاد العربية موجة من اليقظة والنشاط فقامت تطالب بحقوقها وتستنجز دول الحلفاء الوعود التي قطعتها على نفسها للشريف ((حسين)) عاهل الحجاز بمنح البلاد العربية استقلالها وإحياء مجد الوحدة العربية البائدة وكان العرب يظنون أن الطريق ممهدة أمامهم لنيل هذه الحقوق بعد ما أعلن الرئيس ((ولسن))مبادئه الأربعة عشر التي أكد فيها حرية الشعوب وحقها المقرر في تقرير مصيرها غير أن هذه الوعود والعهود لم تلبث أن تلاشت وعلم العرب أ نهم كانوا مخدوعين حين وقفوا في صفوف الحلفاء متأثرين بالدعايات الباطلة والوعود الكاذبة فسرت في البلاد العربية موجة من الحنق لم تلبث أ، تحولت إلى عراك مسلح فنشبت الثورات الدامية في العراق والشام وغيرهما .
هذا البلاد العربية أما في فلسطين فقد كان الوضع أخطر من هذا بكثير إذ كان على عرب فلسطين أن ينازلوا عدوين كبيرين في ميدان واحد كان عليهم أن ينازلوا العدو البريطاني ممثلا في حكومة الانتداب وأن يحاربوا أهداف الصهيونية ربيبته وصنيعته وبصدور صك الانتداب ومن ورائه وعد ((بلفور)) شعر العرب بخطورة المؤامرة التي تدور حولهم فقاموا يدافعون عن حقوقهم بالقوة بعد أن يئسوا من نزاهة الضمير البريطانية ومن تذكيره بالعهود التي قطعها على نفسه وأصبحت فلسطين منذ ذلك الحين مسرحا لثورات دامية ومعارك عنيفة بين الثوار وقوات الاحتلال ولا تكاد الثورة تبلغ شدتها حتى يصدر الإنجليز وعدا جديدا ويأمروا بتأليف لجنة من رجالهم لدرس الحالة واتخاذ الوسائل التي تكفل حقوق العرب فتقف الثورات وتباشر اللجان أعمالها وتقدم تقاريرها وتكون النهاية وعدا جديدا يضم إلى الوعود التي سبقته بينما تستمر الحكومة في خطتها المرسومة من تقوية اليهود وتثبيت جذورهم حتى كان عام (1936) حين أعلن العرب فيه الإضراب الكبير الذي استمر ستة شهور طوال تعطلت فيها موافق البلاد ومداسها وجابت المظاهرات السلمية أنحاء البلاد مطالبة بوقف الهجرة وإقامة حكومة وطنية وحاول الإنجليز قمع هذه الحركة بالقوة فبدأ احتكاك بين الحكومة والشعب لم يلبث أن تحول إلى ثورة لاهبة واستعصم المجاهدون بالجبال الوعرة ومضوا يغيرون على قوافل الإنجليز ومعسكراتهم وقلقت بريطانيا لهذه الحالة قلقا شديدا فأخذت تبعث بفرق كبيرة من الجيش لتطارد المجاهدين في قمم الجبال وكانت هذه القوات مجهزة بأسلحة حديثة معززة بالطائرات والدبابات وبلغ قوادها إدارة العمليات الحربية ضد الثوار وهما على التوالي الجنرال ((سيرجون ديل )) والجنرال ((سيرارشبالد ويفل ))والأخير هو الذي سطع نجمه في مواجهة الهجمات النازية والفاشية على مصر خلال الحرب العالمية الثانية وارتكب الإنجليز في هذه الفترة من الجرائم الوحشية ما يندى له الجبين فدمروا المنازل وأحرقوا القرى وتركوا المدن نهبا مباحا لجنودهم وأخذوا يسرقون الناس جماعات لأعواد المشانق ويفرضون أقصى العقوبات على من يشتركون في الثورة بطريق مباشر أو غير مباشر حتى إنهم كانوا يحكمون بالإعدام على من توجد في حوزته طلقة ذخيرة فارغة!
كل هذه الأساليب البربرية استعملتها بريطانيا في قهر الشعب الأعزل وصرفه عن حقوقه المشروعة غير أنها رأت أن هذه الأعمال لم تزد النار إلا اشتعال ولم تزد الشعب إلا تمسكا بحقوقه والدفاع عنها فعمدت إلى أسلوب جديد وطالبت ملوك العرب وأمراءهم نداءات للمجاهدين يطلبون فيها إنهاء الثورة ويعدون بالتدخل الحاسم لحفظ حقوق العرب المشروعة في فلسطين وانخدع العرب هذه المرة أيضا فأعلنوا نهاية الثورة وتألفت لجنة مشتركة لبثت في فلسطين فترة طويلة ثم قدمت تقريرها في عام (1937) ولم تكن هذه اللجنة بأحسن حظا من زميلاتها من اللجان السابقة لأن حكومة الانتداب كانت تنصرف حسب خطة مرسومة وتعمل لتحقيق الغرض الذي وجدت من أجله والذي حدده صك الانتداب وهو قيام دولة يهودية في فلسطين غير أن هذه اللجنة أشارت بتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين وكانت هذه المرة هي المرة الأولى التي أشير فيها بتقسيم فلسطين ولقد صمم عرب فلسطين على استنكار هذه المشروع وإحباط تنفيذه وشاركهم في ذلك حكومات العالم العربي وشعوبه غير أن الحكومة البريطانية أبدت ارتياحا لهذا المشروع وأظهر اليهود موافقتهم عليه كخطورة أولى لتحقيق الكبير ولم تلبث الاضطرابات أن عادت للظهور احتجاجا على مشروع التقسيم فاضطرت الحكومة البريطانية إلى التضييق على العرب والقيام بحركة اعتقالات واسعة لقادة الشعب وزعمائه وحاصرت الحرم الشريف الذي يقيم فيه المفتى وعزلته من منصبه كرئيس للمجالس الإسلامي الأعلى وأمام هذا الإرهاب العنيف لم يجد العرب بدا من مقاومة العدوان بمثله فاشتعلت الثورة واشتبك الفريقان مرة أخرى في عراك دام استمر إلى منتصف عام (1939) ثم توقف حين اشتعلت الحرب العالمية الثانية ورأوا تأجيل النظر في القضية حتى نهاية الحرب .
وبعد نهاية الحرب تجددت المشكلة من جديد وقام العرب يطالبون بريطانيا بإنهاء الانتداب البريطاني وإقامة حكم وطني يحقق للبلاد سيادتها واستقلالها وقام اليهود أيضاً يستنجزون بريطانيا وعودها ويضغطون عليها بمختلف الوسائل ليرغموها على تسليم البضاعة وظهر هذا الضغط بصورة إرهاب عنيف شنته العصابات اليهودية على قوات الاحتلال فاضطرت الحكومة الإنجليزية لإيفاد لجنة إنجليزية أمريكية بالاتفاق مع حكومة الولايات المتحدة لبحث المشكلة ووضع تقرير يتضمن وسيلة علاجها ولقد انتهت هذه اللجنة من سياحتها في عام (1947) وقدمت تقريرها الذي ارتأت فيه تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وظل هذا المشروع موضوع أخذ ورد حتى عرض على الأمم المتحدة التي أقرته بأغلبية (25) صوتا ضد (13) صوتا مع امتناع (17) عضوا عن الاقتراع ولقد حاول مندوبو العرب منع تنفيذ هذا المشروع بكل الوسائل وحملوا هيئة الأمم المتحدة مسئولية المتاعب التي ستنشأ عن تنفيذ هذا القرار وأعلنوا متضامنين أن حكوماتهم ستمنع تنفيذ هذا المشروع بكل وسيلة وما كاد قرار التقسيم يذاع على العالم في (29) نوفمبر من عام 1947) حتى انفجرت القنبلة إلى ساحة حرب عنيفة ولم يلبث هذا الانفجار أن أحدث تأثيره في العالم العربي فقامت شعوبه وهيئاته تطالب حكوماتها بالتدخل في الصراع القائم حتى تحفظ حقوق العرب في فلسطين .