{ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } ((قرآن كريم))
نحن الآن في شهر نوفمبر من عام (1947) والعالم كله يرقب باهتمام النتائج التي توشك أ، تتمخض عنها لجان فلسطين في مجلس الأمن والعالم العربي يمسك أنفاسه جزعا على مستقبل شقيقته الصغرى وكان الجميع بعلمون أن قرار التقسيم الذي يوشك أن يصدر سوف يحيل الأرض المقدسة مهد الرسالات والسلام إلى بركة من الدماء تتناثر حولها الجثث والأشلاء فاضت الصحف العربية بأنباء الاستعدادات العسكرية التي تجرى في فلسطين لخوض حرب عنيفة يتقرر فيها مصير الجنسين وكان اليهود يستعدون من زمن بعيد تحت ستار من الكتمان ساعدهم عليه امتلاكهم لمناطق برمتها لم يكن عربي يستطيع دخولها وكان زعماؤهم يقتصدون كثيرا في إصدار التصريحات الرنانة تاركين هذه المهمة لزعماء العرب الأماثل الذين كانوا يرسلون التصريحات العنيفة والتهديدات المرة كل من عاصمة حكمه بصورة كان من شأنها تحزب الرأي العالمي ووقوفه في صف اليهود الضعفاء وكانت خدمة عظمى قدمها زعماؤنا الأمجاد من حيث لا يشعرون ولكن رغم هذا التكتم كان من المعروف أ، اليهود يملكون عدة منظمات عسكرية في فلسطين وبعض بلدان أوربا وكانت هذه المنظمات تزيد في مجموعها على الثمانين ألف جندي وقد شكلت على أساس حرب العصابات لتقاوم الهجمات العربية وكان أشهر هذه المنظمات جيش الهاجانا ((حرس المستعمرات )) الذي بدأ تشكيله إبان الحكم العثماني على هيئة نظام الخفراء وظل يكبر وينمو تحت رعاية الإنجليز حتى استطاع أن يكون جيشا منظما كامل التدريب والإعداد ولقد ساعده على استكمال تدريبه اشتراك بعض وحداته في حروب الصحراء خلال الحرب العالمية الثانية تحت اسم ((الفيلق اليهودي))فاستطاع أن يتدرب تدريبا عسكريا مشروعاً ويشاهد عن كثب تشكيلات الجيوش الكبيرة وتحركاتها وساعدته هذه الظروف كذلك على تهريب كمية كبيرة من العتاد وتخزينها في مقاطعات مجهولة من أرض فلسطين ولقد حاولت بريطانيا أ، تدارى موقفها فقبلت تطوع عدد من الشباب العربي في جيوشهم ولكنها بدلا من أن تشركهم عملياً في الحرب كما صنعت مع اليهود إذا بها تشكل منهم مجموعات من ((الحمالين الذين يعملون في الخدمات العامة وراء الخطوط ! وكانت كل القوات العسكرية في فلسطين عام (1936) وحدث خلاف بين زعماء هذه الوحدات فنشأت عن ذلك جماعات متطرفة كانت تميل إلى العنف والإرهاب وهي التي عرفت فيما بعد باسم ((أرجون زفائى ليومي )) وجمعية ((اشترون )) الإرهابية وهذه الأخيرة وهي التي قامت بالدور الرئيسي في أعمال الإرهاب التي شنها اليهود على البريطانيين في أواخر حكمهم وهي العمال التي اعترف بها الدكتور (( حاييم وايزمان )) (( رئيس الجمهورية الإسرائيلية )) في كتاب أصدره أخيرا بعنوان (( الخطاء والتجارب )) والذي قال فيه بصراحة : إن مماطلة بريطانيا في تنفيذ وعودها لليهود هي التي أثارت الجماعات اليهودية ودفعتها للقيام بأعمال الإرهاب .
ومن الفرق التي شكلت في مطلع هذه الحرب فرقة (( البالمخ )) الفدائية وقد أنشئت على النمط الروسي وسلحت تسليحا حديثاً يتناسب والدور الرئيسي الذي أعدت له وجلبت لها من الخارج سيارات مصفحة من النوع الذي صلح للسير عبر الأرض الفلسطينية وكانت جميع القرى والمستعمرات اليهودية مقامة على أساس عسكري يناسب الدفاع والهجوم فكانت كلها محاطة بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام مليئة بالأسلحة والمعدات .
كانت هذه الاستعدادات تجرى تحت سمع الحكومة البريطانية وبصرها وهي التي كانت تولت تحصين المستعمرات وتسليحها وساعدت اليهود على إقامة مصانع الذخائر والأسلحة الصغيرة كتلك التي أقيمت في ((ناثانيا )) و(( الياجور )) وإلى مثل هذه المصانع كانت تهرب أجزاء السيارات و الدبابات من شتى بقاع العالم فتركت وتخبأ في الأماكن المعدة لهذا الغرض حتى إذا جاء الوقت المعلوم خرجت من مخابئها لتهاجم الجموع الشعبية شبه العزل .
هكذا كان الاستعداد اليهودي يجرى لحرب الإبادة التي عولوا على خوضها أما الجانب الآخر من طرفي الصراع فكان على النقيض تماما رغم الثورات المتلاحمة التي خاضها والتي اظهر فيها من ضروب البطولة ما قل نظيره في التاريخ فالشعب الفلسطيني ظل في (( حالة )) حرب مع الصهيونية وحليفتها بريطانيا منذ صدر (( وعد بلفور )) وفي الوقت الذي كان يهود العالم كله يؤيدون اليهود في فلسطين تأييدا إيجابيا ويمدونهم بالأسلحة والذخائر والكفاءات العسكرية كان الشعب العربي الفلسطيني يقف في الميدان وحده ينازل دسائس اليهود والاستعمار ولا يجد من أبناء العمومة في الأقطار العربية المجاورة أدنى عون أو مساعدة اللهم إلا تلك المواقف المسرحية لمندوبي العرب في المحافل الدولية !
ولقد ظل هذا النوع من الجهاد هو المسيطر على عقول زعماء العرب ورجالهم حتى بدأ الصراع فعلا ولا يزال هو المسيطر على عقولهم حتى اليوم وبعد أن ظهرت النتيجة الحتمية لذلك الصراع .
لذلك كله كان من طبيعي أن يبدأ القتال وليس هناك تكافؤ بين القوى المتحاربة ولقد أدرك الشعب الفلسطيني ذلك فقام ينظم نفسه بعد أن سبق السيف العذل فتشكلت في مطلع هذه الحرب عدة منظمات عسكرية أخذت تمارس التدريب على قدر ما تسمح به الحكومة الانتداب فتشكلت منظمة ((النجادة)) وتشكلت بعدها ((الفتوة))التي كان يشرف عليها الحزب العربي الفلسطيني وكانت جوالة ((الإخوان المسلمين )) مشكلة قبل ذلك بوقت قصير ولقد انخرط في صفوف هذه المنظمات ألوف من الشباب غير أن القيود التي فرضها الإنجليز على التسلح والتدريب وقفت حائلا دون إعدادها وتجهيزها فظلت مفككة لا يجمعها نظام ولا تربطها قيادة حتى بدأت المعركة وهذه الفرق لا تزال تدرب أعضاءها على السير في طابور منتظم ! ولم يكن في استطاعة الشعب الفلسطيني أن يقوم بأي عمل جدي نحو إعداد نفسه فإن القيود التي فرضتها حكومة الانتداب كانت لا تزال تمنع العرب من إحراز الأسلحة فضلا عن الظهور بها والتدريب على استعمالها وإذن فإنه من الظلم البين أ، يلام الشعب الفلسطيني على هذه التقصير المعيب ولكن اللوم كله يتركز في زعماء الجامعة العربية الذين شغلوا ا أنفسهم بمعالجة القضية عن طريق المحادثات والمفاوضات والاعتماد على الوعود البريطانية الكابة دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة العمل الجدي فيقيموا لهم معسكرات في الدول العربية التي تتمتع بشيء من الاستقلال ويتولوا تدريبهم على أيدي الضباط الأكفاء ليكونوا على استعداد للدفاع عن كيانهم إذا جد الجد وطويت أوراق المحادثات وأصبح الحكم للقوة المسلحة .
ومن الإنصاف للواقع أن نقرر أن زعماء الدول العربية قد فكروا أخيرا في سلوك هذا الطريق فقرروا في اجتماع ((عاليه)) في عام ((1947)) افتتاح معسكر على حدود سوريا وتكليف ا لهيئة العربية باختيار عدد من خيرة الشباب من مختلف الجهات ليتدربوا على أعمال العصابات والاضطلاع بالقيادات الصغيرة حتى إذا أتموا التدريب رجعوا إلى بلادهم ليدربوا غيرهم ويشرفوا على تنظيم حركة المقاومة في مناطقهم هذه الخطة كانت هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ فلسطين وقد فهمها زعماء العرب بعد فوات الوقت ورغم ذلك فإن الحكومة البريطانية لمتسمح بتنفيذها ووجهت مذكرة إلى الحكومات العربية تستنكر فيها هذا التصرف وتعتبره عملا عدائيا موجها إلى مصالحها في فلسطين فانكمشت دول الجامعة أما هذه المذكرة وماتت الخطة في مهدها وبدأ المعسكر يسرح الشباب الفلسطيني وظلت حركة المقاومة الوطنية تعتمد على جماعات من المحاربين لا تجمعهم خطة ولا قيادة . وأرادت الجامعة أن تنظم الحركة في داخل البلاد فعينت الفريق ((طه الهاشمي باشا)) واللواء ((إسماعيل صفوت باشا)) يشاركهما عدد كبير من الضباط العراقيين والسوريين ومنحتهم سلطات واسعة وأموالا كبيرة ووكلت لهم مهمة التنظيم والتدريب ولكنهم لم يقوموا بعمل جدي لإنقاذ الموقف وبدلا من أن يعكفوا على تنظيم الجيش الداخلي في البلاد والتحكم في منابع القوة الدافقة والحماسة العنيفة في الشعب الفلسطيني أخذوا يجمعون عددا من المتطوعين من البلاد العربية وينفقون عليهم الأموال الباهظة ويجرون عليهم الرواتب الضخمة ونسى هؤلاء القادة ((العباقرة)) أن فلسطين لم تكن في ذلك الوقت في حاجة إلى رجل واحد من الخارج بقدر ما كانت محتاجة إلى عقول تنظم القوى الموزعة وتوجهها وجهة سليمة وحتى هذه السرايا التي أتعب القواد أنفسهم في إعدادها والإنفاق عليها لم تأت بالنتائج المطلوبة إذ كانت ضعيفة إلى أبعد الحدود في التدريب فوق أن أفرادها كانت تنقصهم الروح المعنوية العالية إذ كانت غالبيتهم من العمال المتعطلين الذين ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم ووجدوا الجهاد فرصة سانحة للكسب فما كادوا يدخلون البلاد حتى تعددت حوادث السلب والنهب والتهجم على الأغراض والمتاجر .
اشتد إحساس العرب الفلسطينيين بخطورة الحالة وضعف أملهم كثيرا في الجامعة العربية ولجنتها العسكرية ومضوا يواصلون إعداد أنفسهم بأنفسهم فانهالت وفودهم على البلاد العربية تستجلب الأسلحة والذخائر وتعتمد على الهيئات الشعبية فيجمعها وشرائها وتشكلت قيادات محلية في فلسطين أخذت تباشر نشاطها في منطق مختلفة وكان أشهر القادة على الإطلاق الشهيد((عبد القادر الحسيني )) قائد منطقة القدس والشهيد ((حسن سلامة)) قائد المنطقة الوسطى )).
ولقد كان ((عبد القادر)) قائد عصابات ماهرا وحوادث النسف والتدمير التي قام بها في أحياء القدس اليهودية تشهد له رحمه الله بالبراعة والمقدرة في تنظيم الخطط وتنفيذها ولقد بلغ من قوة هذه الحركات ودقتها أن اعتقد الإنجليز واليهود أنها لا يمكن أن تكون عربية إطلاقا وأشاعوا أن القائمين بها ليسوا إلا متطوعين من الألمان واليوغسلاف ممن يشتركون في الحركات وسبق لهم الاشتراك في حروب كبرى وكنا جميعا نعلم أنها حركات عربية صرفة يقوم بها العرب المجاهدون ممن يشرف على تدريبيهم وتنظيمهم ((عبد القادر الحسيني)) وصحبه الأبرار .
ولازالت أذكر له تلك المعركة التي قادها عند ((كفار عصيون)) على طريق الخليل بيت لحم وكنت يومها في مدينة الخليل وشاهدت كيف استطاع عبد القادر الحسيني أن يحصر قوة يهودية مصفحة وظل يصليها نيرانا حامية بعد أن ضرب حولها حصارا لا فكاك منه حتى اضطرها إلى الاستسلام وكان عبد القادر يتفجر حيوية وحماسة ويعتقد أن هذه الانتصارات المدوية التي أحرزها هو يكاد يكون أعزل من السلاح سوف تشفع له عند أعضاء اللجنة العسكرية فتعطيه شيئا من المال الكثير الذي أخذته من الجامعة وشيئا من السلاح الذي جمع لها من كل بلاد العرب ولكن اللجنة العسكرية لم تشأ أن تسير على قول القائل :
يجود علينا الخيرون بمالهم ونحن بمال الخيرين نجود
فرفضت الدفع ثم قبلت الدفع وماطلت في التنفيذ ثم تمطت ونفذت وكان المبلغ (370) جنيها وتركوا لمقدرته وكفاءته مهمة توزيعها على ثلاثة آلاف جندي كانوا معه أما السلاح فقد نفضوا أيديهم منه وقد يكونون تركوا له شراء السلاح من هذا المبلغ أيضا وتردد .
((عبد القادر )) على اللجنة في تنقلاتها بين مختلف العواصم حتى يئس منها وقدم تقريرا إلى الجامعة في ( 6 إبريل سنة 1948 ) يحملها فيه مسئولية ضياع فلسطين وكأنه قد شعر أنه أدى واجبه وأنذر إذ استشهد بطلا في معركة القسطل في ((8)) إبريل أي بعد يومين من إرسال تقريره ومضى ((عبد القادر )) البطل إلى ربه يشكو له عدوان اليهود وعدوان اللجنة العسكرية للجامعة العربية !
أما ((حسن سلامة)) فلم يكن أحسن حظا من صاحبه إذ عمل أقصى ما يستطيع للدفاع عن ((يافا)) والمنطقة الوسطى وأدار عدة معارك رائعة في منطقة ((تل أبيب )) قبل أن يلاقى حتفه في معركة ((رأس العين)) وبموت هذين القائدين تدهورت المقاومة العربية وفقدت أهم عناصرها وهي القيادة وظلت اللجنة العسكرية وجامعتها العربية تغطان في نوم عميق لا تقطعه إلا أحلام النصر الحاسم والفوز المبين .
كانت هذه الفوضى ملحوظة في فلسطين خلال تلك الفترة وقد شاهدت آثارها بعيني وقت أن فرغ اليهود من إعداد أنفسهم وأخذوا يسيرون بفكرتهم نحو التنفيذ وكانت قواتهم المنظمة تتحكم فعلا في جبهات القتال وتقضى على حركات المقاومة في المدن والقرى واحدة تلو الأخرى ثم جاءت الجيوش العربية فقضت قضاء تاما على الشعب الفلسطيني ووصفته بالتجسس والخيانة والعمل لصالح الأعداء وكان ذلك بفعل دعايات الإنجليز واليهود .... وهكذا أخرج الشعب المكافح من مسرح الحرب وقضى عليه أن يظل بعيدا عن الميدان ويحرم حتى من حق الدفاع عن وجوده وكيانه !!!