الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخوان المسلمون في حرب فلسطين
المؤلف: كامل الشريف
التصنيف: تجاري
 

-11-مع أحمد عبد العزيز في حولته

{ يأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين}

أوضحنا في صفحات سابقة كيف وقفت الحكومة في طريق الإخوان ومنعتهم من إدخال أفواج من شبابهم كما كان مقررا من قبل .

وكان يمكن للإخوان أن يريحوا أنفسهم من عناء الجهاد وويلات القتال وأن يكتفوا بالتصفيق والتظاهر كما زعامات مقدسة وأحزاب مرموقة .

ولكن الإخوان لم يفعلوا شيئا من هذا بل نراهم يتلمسون كافة السبل والحيل ويعملون جاهدين لتذيل هذه العقبات وفتح الأبواب المغلقة أمام الجموع الوافدة من شبابهم المؤمن الذين تدفقوا من الأقاليم والعواصم حتى اكتظ بهم المركز العام وضاقت بهم شعب ((القاهرة)) وبدأت اتصالات كثيرة ومؤتمرات متعددة انتهت إلى تكوين فرق من المتطوعين يقودها ضباط من الجيش وتتولى الجامعة العربية تدريبها والإنفاق عليها .

وكان طبيعيا أن يرحب الإخوان بالفكرة فهم لا يريدون إلا إنقاذ فلسطين وانتزاعها من عصابة الشر وكانوا يعلمون أيضا أنه لا توجد أخرى في مصر يمكنها أن تساهم في هذه الحركة بنصب كبير وإذن فالإخوان هم الذين سيجاهدون مهما اختلفت الأسماء وتغيرت المظاهر .

وبدأت حركة التطوع عن طريق المركز العام وكان يشرف على تنظيمها المجاهد الكبير المرجوم (الصاغ محمود لبيب ) وكيل الإخوان المسلمين وقائد وحداتهم العسكرية ونجح بمعونة بعض الشخصيات المجاهدة وعلى رأسهم معالي (صالح حرب باشا وسعادة اللواء ((عبد الواحد سبل بك)في إقامة معسكر للتدريب في (هاكستب) تتولى الجامعة العربية إمداده وتنظيمه ويشرف على برنامج التدريب فيه جندي ممتاز هو البكباشى (حسين مصطفي) من رجال الجيش العامل .

ولقد أخذ الناس بهذه الحركة العنيفة والإقبال الشديد على التطوع وعجبوا كثيرا لهذا الشباب الذي يقدم نفسه للموت عن طواعية واختيار وعهدهم بالشباب من أمثال هؤلاء ينفرون من الجندية حتى أنهم يقطعون أصابعهم كيلا يصلحوا للانخراط فيها وكان آباء المتطوعين وأمهاتهم أشد الناس إشفاقا على فلذات أكبادهم أن تلاقى الحتف برصاص اليهود .

وشهد معسكر (الهاكستب) في أول تكوينه معارك عنيفة بين عواطف الأبوة الحنون وعناد الشباب المؤمن المتشبث بمبادئه ومثله العلىا فهذا شاب من الإسكندرية هو الأخ المجاهد (عبد المنعم سعيد) يجرفه هذا التيار العاتي ويصمم على خوض غمار الحرب دفاعا عن الإسلام وكرامته فيتفق مع نفر من إخوانه ويغادرون الإسكندرية خفية ويبذلون محاولات متعددة حتى تسجل أسماؤهم في كشوف المتطوعين ويقبلون على التدريب في شغف ولذة ويبحث أهلوهم عنهم طويلا ويبعثون في طلبهم ويشهد معسكر (الهاكستب) حوارا عجيبا بين بطلنا الصغير (عبد المنعم ) وعمه الذي جاء في طلبه فعمه يحاول إقناعه بالعودة ويذكره بمستقبله وحاجة أهله إلى سعيه وكده والفتى بجيب بحدة وتبرم : (( لا أريد العودة دعوني أؤد بعض ما على من دين للإسلام )) ويتدخل قائد المعسكر في الأمر ويحاول إقناع الفتى باتباع نصائح عمه ويحتد الفتى مرة أخرى ثم يصبح : ((لا . لا .. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).

أجل .. أجل .... هكذا فهم الإخوان حقيقة دورهم في فلسطين . جهادا خالصا في سبيل الله لا سعيا وراء الشهرة ولا طلبا للمغنم التافه ولكن سعيا وراء عزة الإسلام فإما نالوها وإما سقطوا شهداء دونها .

يئس العم من ابن أخيه وأشفق القائد على نفس الفتى المؤمن فلم يرغمه على الخروج وظل بطلنا ينعم في معسكره ويمنى نفسه باليوم السعيد حين يقف أمام أعداء الله وجها لوجه ومضى العم مشدوها مما رأى مقتنعا أن شيئا جديدا قد طرأ على شباب اليوم وأن هذا الجيل قد بدأ يتجه اتجاها لا عهد للناس به .

وليس أعجب من هذا إلا أخ من إخوان القاهرة هو المجاهد (محمد العيسوى) وقد نجح أبوه بما له من مركز ونفوذ في إبعاده عن المعسكر بعد أن أخذ من القائد وعدا بعدم قبوله من جديد وعز على البطل أن تنهار آماله وتتحطم على صخور هذه التقاليد البالية ففكرة وقدر ثم هداه تفكيره إلى وسيلة ناجحة فأخذ يهرب من أهله كل يوم ويأتي إلى المعسكر حيث يظل الساعات الطوال خارج الأسلاك يراقب حركات التدريب ويحاول تقليدها حتى إذا انتهي اليوم أخذ من زملائه ما يكتبونه من محاضرات عسكرية ورجع إلى بيته حيث يستذكرها بشغف وعناية .

وحين تحركت الكتيبة الأولى إلى العريش بعد نهاية تدريبها ركب نفس القطار الذي سافرت به بعد أن اشترى على حسابه بعض الملابس العسكرية وفوجئ أفراد الكتيبة وقائدها حين رأوه ينزل إلى المحطة وظل أهله يوالون السعي لإرجاعه ولكن قائد الكتيبة ولما يمض على وصوله إلى فلسطين سوى يومين اثنين .

أمثلة كثيرة لا يحيط بها الحصر ولكن ما ذكرناه يصلح دليلا واضحا على مدى ما وصل إليه الإخوان من نجاح رائع وهم يحشدون هذا الشباب ويربونه في مدرسة الإسلام الخالدة .

بدأت الكتيبة تدريبها وبدأ الإخوان شغفا شديدا بالتدريب وأقبلوا على المحاضرات الحربية يوسعون بها مداركهم ويزدادون إلماما بوسائل الحرب الحديثة واستعمال الأسلحة المختلفة وكانوا مشوقين إلى السفر متعجلين لتطبيق ما تعلموه عمليا في أرواح اليهود حتى كان يوم (25 إبريل ستة 1948) إذ صدرت الأوامر بإرسال هذه الكتيبة إلى الميدان وكان قائدهم حتى ذلك الحين البكباشى (زكريا الوردانى) وقد كان المنظر مؤثرا حين حضرت عائلات المجاهدين لوداعهم وأقبلت جماهير غفيرة من الشعب لتطالع الصفحة الجديدة التي نشرت لتسجل قصصا رائعة من البطولة يكتبها هذا الشباب المؤمن بجهده وعرقه ودمه .

ألا ليت هذه الجماهير طالعت ختام هذه الصفحة وقدر لها أن تستقبل أبطالها حين عودتهم لترى كي تنخسف قيم البطولة في مصر .

ليت هذه الجماهير شهدت بعد ذلك كيف عاد هؤلاء الأبطال بعد أن تركوا أحباءهم تحت ثرى فلسطين وفيهم من ترك عضوا من أعضاء جسمه عربونا للعودة القريبة ولكن الحكومة تكفلت باستقبالهم ورصدت قوات من بوليسها لتكون في انتظارهم لا لتقف لتحيتهم ولا لتصطف على الجانبين لتعظيمهم ولكن لتحرسهم الساعات الطوال داخل سجون الأقسام سارت الكتيبة فر رعاية الله ونزلت إلى العريش وأخذت تعد عدتها لدخول فلسطين وما هي إلا أيام قلائل حتى لحق بها القائد الجديد بصحبة عدد من الضباط البواسل الذين عز عليهم الانتظار فآثروا اللحاق بقوات المتطوعين .

وكان القائد الجديد ضابطا من الفرسان برتبة (البكباشى) غير معروف من جنوده إذ لم يكن له ما يميزه عن غيره من زملائه الكثيرين وإن كان الضابط قد وصفوه لجنوده بإكبار وإعجاب ذاكرين له دروسه ومحاضراته القيمة في كلية أركان الحرب وبطولاته الرائعة التي سجلها في ميدان الفروسية .

ولم يكن هذا القائد الجديد سوى البكباشى (أحمد عبد العزيز) الذي لمع اسمه بعد ذلك في الحرب ودأبت الصحف العربية على تتبع أنبائه وتحركاته وأولته من العناية والاهتمام ما لم تول أحداً من قادة الجيوش العربية ممن يفوقونه في المركز وبعد الصيت .

((نحن إذا أردنا أن نؤرخ لهذه الكتيبة المجاهدة نجد أنفسنا مضطرين لتحليل شخصية قائدها لأن القائد هو عصب القوة وعقلها المفكر ومن خلال شخصيته وميوله نستطيع أن نحكم على أعمال القوة ووسائلها في العمل ولن تجد هذه الحقيقة واضحة بأجلى صورها أكثر من وضوحها في هذه الكتيبة المغامرة ومدى انطباعها بشخصية قائدها وميوله .

خصلتان هما الأساس ارتكزت عليه شخصية أحمد عبد العزيز :

أولاهما : جرأة خارقة وولع شديد بالمغامرة .

ثانيتهما: اعتزاز بشخصيته واعتداد بمقدرته وكفايته .

جرأة غامرة وولع بالمخاطر وصل به إلى حد التهور وكثيرا ما كان يعرض نفسه لأخطار شديدة حتى أشفق عليه ضباطه فلم يكن يجيبهم إلا بكلمة واحدة (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) واعتزاز بشخصيته وكفايته كان كثيرا ما يصل به إلى حد الغرور .

وهاتان الخصلتان هما اللتان دفعتاه للزج بكتيبته في أخطار شديدة والقيام بالأعمال الخارقة التي ظلت الصحف تتداولها طوال فترة الحرب وهاتان الخصلتان أيضا هما اللتان دفعتاه لأخطاء جسيمة عصفت بالكثيرين من رجاله وأثرت تأثيرا بعيدا في النتيجة العامة للحرب .

تلك هي أهم العناصر التي تكونت منها شخصية هذا الرجل فلنحتفظ بهذا الميزان في أيدينا ونحن نتابع السير وراء حين قام بهجماته على مراكز اليهود في النقب وحين وقف بشدة ليدافع عن المدن الفلسطينية التي تقع جنوبي القدس .

بدأ أحمد عبد العزيز يعد قواته لدخول فلسطين وكانت قوات الاحتلال البريطاني لا تزال بها فقام بعدة دوريات استكشف فيها مناطق النقب الشمالية وصحبه في الدورية الأولى الشيخ محمد فرغلى رئيس الإخوان في فلسطين والشيخ فريح المصدر شيخ عشائر النصيرات الضاربة في صحراء النقب وكبير معاونيه البكباشى (زكريا الوردانى).

وبعد عدة ومشاورات قرر الدخول إلى منطقة (غزة) ومهاجمة المستعمرات الواقعة فيها فأصدر أوامره في(5) مايو للتحرك ولكي يتفادى الصدام مع قوات الاحتلال الإنجليزية المقيمة على طريق الرئيسي في (رفح) استعمل طريقا غريبا فسار بسيارته على شريط السكة الحديدية وهناك قابله الأهلون مقابلة وتقدم أعيان المنطقة إليه طالبين أن يعمل على تجنيد أبنائهم وتنظيمهم ضمن قواته فوعدهم خيرا .

ولم تطل إقامته في (خان يونس) فبدأ عملياته بأن أرسل قوة صغيرة من الإخوان تهاجم قافلة يهودية فاشتبكت معها في (13)مايو وأرغمتها على الفرار وفي هذه المعركة سقط الشهيد المبرور (( فتحي الخولى )) الشاب الذي أشرنا إليه في أول هذا الباب .

كانت خطة احمد عبد العزيز ترمى إلى مهاجمة المستعمرات اليهودية وكان يريد أن يسلك الخاطئ الذي سارت فيه قوات الإخوان الحرة من قبل ولقد اتصل به الأستاذ (( محمد فرغلى )) وبين له خطورة هذا الإجراء متخذا من كارثة الإخوان في ((كفار ديروم ))مثلا لما يقول لكن هذه النصائح لم تجد سبيلها في نفس احمد عبد العزيز وعز عليه أن يتراجع في أمر أبرمه فصمم على مهاجمتها وقدر له أن يتلقى على يدها درسا قاسيا دفع ثمنه الفادح من خيرة شباب الإخوان وزهرة رجالهم .

اتجه تفكير احمد عبد العزيز إلى مهاجمة مستعمرة (كفار ديروم ) أول المستعمرات وأقربها إلى طرق المواصلات فبدأ في (1.) مايو بإرسال دورياته لتحصل على معلومات تكون أساسا لخطته حتى إذا تم له ما أراد نظم الخطة وكانت كلها تدور على أ، مدفعيته الضخمة ستدك الأبراج والحصون ولن يجد مشاته أحداً في قلب المستعمرة لأن حماتها سيكونون جميعا تحت الأنقاض !!... وكانت خطته بإيجاز تقضى بأن تبدأ المدفعية في دك الحصون في الساعة الثانية صباحا لمدة عشر دقائق يبدأ الفدائيون بعدها في نسف حقول الألغام ومواقع الأسلاك الشائكة ثم تهاجم المشاة المستعمرة من ثلاث جهات لتتم تطهيرها واحتلالها .

وأترك وصف هذه المعركة للأخ المجاهد (أحمد لبيب الترجمان) أحد قواد الإخوان في الميدان وقائد جماعات الاقتحام في هذه المعركة .

قال الأخ ((لبيب)) : إن أول الأخطاء التي تورطنا فيها كان تأخير الهجوم عن موعده المقرر فبدل أن تبدأ المدفعية ضربها في الساعة الثانية بدأت في الساعة الرابعة والنصف حين وضح النهار وأصبح في مقدور العدو مراقبة المهاجمين وحصدهم بالبنادق والرشاشات .

أما لماذا تأخرت ضرب المدفعية فكان العذر أقبح من الذنب ذلك أن الضابط المختص لم يسجل الأغراض التي تقرر ضربها بالنهار ليسهل عليه ضربها بالليل مما اضطره إلى تأخير الضرب حتى بسفر النهار وتتضح الأغراض وانطلقت المدافع بعشرات القنابل واستمرت الأبراج لا تتزعزع وحينئذ وضح أمامنا أن الخطة فاشلة وأن الهجوم لو استمر فسيتحول لكارثة مروعة وحاولنا تأجيل الهجوم ليوم آخر أو تحوير الخطة بحيث تتلاءم والأوضاع الجديدة ولكن الأوامر صدرت بمواصلة الزحف واحتلال المستعمرة وأطبقت المدفعية الكبيرة أفواهها وانطلقت مدافع (الهاون) تلف المستعمرة بسحابة من الدخان .

وبدأ المجاهدون يزحفون إلى أغراضهم والعدو الماكر يغرى بالتقدم حتى أصبحنا على الأسلاك والمستعمرة لا تزال هادئة ساكنة وفجأة تشققت الأرض عن عيون كثيرة وانسابت سيول دافقة من النيران وتساقط المجاهدون حتى امتلأت الساحة بالجرحى والشهداء .

وكان مقررا أن يدمر الفدائيون الأسلاك الشائكة بألغام (البنجالور) غير أن حملتها أصيبوا جميعا ورأينا أنفسنا في وضع حرج ونيران العدو لا تزال تشق طريقها في الجموع العارية وفجأة تقدم شاب أسمر طويل وصاح في إخوانه ليتراجعوا إلى الوراء وتراجعت الجموع قليلا للوراء فقذف الشاب بنفسه على الأسلاك الشائكة المشحونة بالألغام فانفجرت وتطايرت الأسلاك الشائكة وتطاير جسده معها ممزقة وفتحت السماء أبوابها لتستقبل ضيفا جديدة كان أهل الدنيا يعرفونه باسم (عمر عثمان بلال) .

وقضى على البطل الجريء ولكن بعد أن حقق المعجزة وفتح لإخوانه ممراً في الأسلاك وفرشه لهم بدمه الطاهر وتدفقت الجموع إلى المستعمرة وأخذت تحتمي من نيران العدو بحفر القنابل وخنادق المواصلات ورأى العدو ذلك فجن جنونه وأخذ يركز الضرب على هذه الثغرة وانطلقت مدافعه ورشاشاته تقيم أمامها سداً كثيفا من النار والبارود فارتكبت الجموع مرة أخرى ووجدها العدو فرصة سانحة فشدد النكير وفجأة وصلت المهزلة إلى آخر مراحلها إذ انطلقت مدفعيتنا من الخلف وبدل أن تصب نيرانها على اليهود المختبئين في المستعمرة أصابت المجاهدين الزاحفين حولها وتسبب هذا الخطأ الشنيع في قتل عدد كبير وكان طبيعيا أن يحل الذعر وتنهار الروح المعنوية وتتوقف المعركة عند هذه النهاية الدامية وتفتح الجنة أبوابها لتستقبل سبعين ضيفا جديدا من خيرة شباب مصر وتستعد مستشفيات (غزة) و(القاهرة) لتستقبل خمسين جريحا من جرحى هذه المعركة .

وكان ممن جرح فيها اليوزباشى البطل ((معروف الحضري)) فحمله الإخوان من داخل المستعمرة حيث رحل للعلاج في القاهرة وقبل أن يتماثل للشفاء عاد ليواصل جهاده ويلعب دورا هاما على مسرح الحرب .

ولا أنتهي من الحديث عن هذه المعركة بالذات دون أن أسجل خطأ فاحشا وقع فيه المسئولون عنها ذلك أنهم تركوا الشهداء والجرحى حول المستعمرة دون أ، يعملوا على نقلهم مما أثر تأثيرا بعيدا في نفوس المجاهدين ولكي أصور فداحة هذا الخطأ يكفي أن أقول أن جثث الشهداء الأبرار ظلت ملقاة حول المستعمرة أكثر من شهر حتى استطاع كاتب هذه السطور بمعونة نفر من إخوانهم نقلهم حين أعلنت الهدنة في (18 يونيو).

انتهت معركة (كفارديروم) على هذه الصورة ولم يكن أحمد عبد العزيز من شهودها إذ كان يتلقى أنباءها أولا بأول من مقر قيادته في (خان يونس) وحين تلقى هذا النبأ جزع جزعا شديدا وألم لفقد هذا العدد الضخم من خيرة رجاله دون أن يحقق أدنى نتيجة فصمم على أن يوقع باليهود درسا مرا وأعاد لقوته روحها المعنوية التي كادت تتلاشى بعد هزيمتها في (كفار ديروم).

ضرب المجاهدون حصارا محكما حول المستعمرة وفي اليوم التالي للمعركة حاول العدو تحطيم هذا الحصار وإدخال قافلة كبيرة محملة بالجنود والعتاد وكانت هي الفرصة التي ينتظرها أحمد عبد العزيز ويسيل لها لعابه فنظم لها (كمينا) محكما وحشد مدافعه على سفوح التلال المشرفة على الطريق وحين دخلت في الدائرة التي رسمها أمر اليوزباشى (حسن فهمي) قائد مدفعيته فانطلقت المدافع من أبعاد قريبة وحاول اليهود الدفاع عن أنفسهم بادئ الأمر ولكنهم وجدوا بأنفسهم محصورين داخل حلقة فولاذية فاختاروا أهون الضررين وقذفوا بأنفسهم من المصفحات وحاولوا النجاة بأرواحهم والفرار إلى مستعمرة (كفارديروم) .

وكانت هذه خطوة محسوبا حسابها في الخطة إذ كان الأخ المجاهد (على صديق) يقود فصيلة من المشاة مختبئة بعناية وراء التلال القريبة فلم يكد اليهود ينزلون من المصفحات ويتحركون تجاه المستعمرة حتى انطلقت الرشاشات من كل صوب فحصدتهم حصدا ولم ينج منهم أحد .

وحاول حماة المستعمرة نجدة إخوانهم وتركهم الإخوان يغادرون الأسلاك الشائكة ويبتعدون عنها ثم بدءوا يطلقون عليهم النار من ((أوكار)) معدة بعناية حتى سقط منهم عدد كبير وتراجع الباقون إلى المستعمرة وسكتت المدفعية وأطبقت الرشاشات أفواهها الملتهبة وأخذ المجاهدون يحصون ما غنموه فإذا هم أمام خمس عشرة مصفحة ضخمة مشحونة بأحدث طراز من الأسلحة والذخائر ومواد التموين ولأول مرة تعلو وجوههم ابتسامات الفرح بعد هزيمة الأمس حين فتحوا إحدى المصفحات فوجدوها مليئة بالدجاج والطيور من مختلف الأنواع والأحجام .

وكان نصرا رائعا رد لهذه الكتيبة المجاهدة اعتبارها وعوض لها خسارتها وبعد هذه المعركة تغير الموقف واقتنع أحمد عبد العزيز بالنظرة الأولى وهي أن مهاجمة المستعمرات دون أن يكون معه عدد من الدبابات الثقيلة إن هو إلا ضرب من الانتحار فأخذ يستخدم (تكتيكات) العصابات ويضرب المستعمرات بمدفعيته دون أن يهاجمها ويعترض طريق القوافل المصفحة ويبيدها عن آخرها حتى أزعج اليهود إزعاجا شديدا وحرم عليهم التجول في صحراء النقب وكان مقدرا لهذه الحركة أن تحرز نجاحا رائعا لولا ماجد على الموقف الحربي من أحداث وتطورات .

ولقد أشرت إلى قيامي بنقل جثث شهداء الإخوان في كفارديروم وهذه القصة لا تخلو من الطرافة على الرغم من كآبة المناسبة وجو الحرب المقبض في ذلك الحين ففي صبيحة يوم (18) يونيو ظهر أحد جنود ((الهاجاناه) من كفارديروم وهو يحمل راية بيضاء وتقدم نحو مواقع المراقبة التابعة لنا وقد أبلغني قائد المواقع بأمره لاسلكيا وطلب الإذن باستقالة لمعرفة ما لديه فأذنت له وحين وصل أبلغ رجالنا أنه يحمل رسالة شفوية من قائد المستعمرة مفادها : أنه يرغب في الدخول معنا فيبحث لإجلاء جثث الإخوان من حول المستعمرة مقابل ((شروط معينة )) وأن قائده مستعد لمقابلة أي مسئول منا سواء في منطقتنا أو في منطقته لبحث هذا الموضوع الإنساني ولما بلغني الخبر وافقت على الفور على مقابلة قائد المستعمرة وعرضت أن يكون اللقاء عند مستعمرته إذا لم يكن لديهم مانع وتركت لقائد موقعنا أن يحدد مع الرسول بقية التفاصيل التي تتعلق بالوقت والمكان ولم تكن لديهم أي شروط للقاء سوى ألا نحمل معنا أية أسلحة غير الأسلحة الشخصية التي لا تتعدى المسدسات .

والواقع أنني لم أدرك حقيقة المخاطرة التي انطوى عليها ذهابنا للمستعمرة دون أسلحة إلا بعد أن انتهي هذا الاجتماع الطريف ربما لأنني كنت مشوقا لرؤية هذا الحصن القاتل من قريب وربما للتعرف على غريمنا في الجهة المقابلة في جو عادى بعد أن ظل اتصالنا به بواسطة القنابل والرشاشات ، على أن أهم ما في الموضوع كان في الحقيقة نقل جثث إخواننا الأعزاء ودفنهم دفنا لائقا بعد مرور أسابيع على استشهادهم وفعلا توجهت في الموعد المحدد ومعي أربعة من ضباطنا أحدهم يحسن اللغة الألمانية بعد أن علمنا أن قائد المستعمرة من أصل ألماني والواقع أننا لم نحتج إلى الترجمة حيث إننا وجدنا أكثر رجال الوفد اليهودي يحسنون اللغة العربية ومع أننا احترمنا وعدنا بعدم أخذ أسلحة معنا سوى المسدسات فإننا لم ننس أن نحرك بطارية مدافع هاون(1.8) مم وعددا من المصفحات إلى أماكن قريبة على سبيل الاحتياط فيما إذا تحرك الغدر اليهودي التقليدي ووجدنا أنفسنا مضطرين للدفاع عن حياتنا .

كان أول سؤال طرحه الضابط اليهودي هو عن مصير بعض الجنود اليهود الذين وقعوا بين أيدينا خلال الاشتباكات السابقة مع القوافل المصفحة وكان جوابي أنه لا يوجد لدينا أسرى وإنما وجدنا فعلا بعض القتلى في داخل السيارات أو على أرض المعركة وأننا قد نقلناهم ودفناهم بصورة عادية وهنا زعم اليهود أننا قد أخذناهم أحياء ثم قتلناهم وكاد هذا الاتهام الوقح وردى المنيع عليه أن ينهي البحث لولا أنه تصنع الهدوء وعرض أن نضع على القبور اليهودية ((نجمة داود)) وهو شعار إسرائيل ولكنني رفضت هذا الطلب وعرضت أن نضع عليهم علامات مميزة حتى يمكن التعرف عليهم ونقلهم في نهاية الحرب فوافق على هذا العرض وكان مطلبه الثاني هو السماح لقافلة تموين بالوصول إلى المستعمرة كانوا لا يقلون عنا حرصا على نقل الجثث من أرض المعركة مخافة أن تسبب لهم الأمراض فوافقوا على مطلبنا على أن ننقلهم دفعة واحدة في وقت معين وعلى أن يكون الأفراد الذين ستوكل إليهم هذه المهمة غير مسلحين وفي بعض اللحظات أدرك اليهودي أنني أكثر النظر في المستعمرة وما يحيط بها من أسلاك وأبراج وكأنه أدرك ما يدور في خاطري فلفت انتباهي بأدب قائلا(( ألا تعتقد أن، المنظر في الجهة العكسية أجمل وأفسح))وخلال الحديث قدم لي قائد المستعمرة أحد مرافقيه الضابط وهو من أصل روسي واسمه((آصف ))قائلا : إن هذا الضابط هو الذي حاول قبل بضعة أيام اختراق الحصار على رأس فصيلة من الهاجاناه ولكن نيران رشاشاتنا ردته فاشلا فقلت إن وجوده معنا الآن يدل على أنه محظوظ فعلا ونصحته بألا يحاول اللعب بالنار مرة أخرى !!! ,اذكر أن الحديث بعد ذلك تحول إلى مبارزة كلامية وتهديدات مبطنة ومحاولات مستترة لكسر المعنويات وإثارة المخاوف وفي ختام الجلسة قال له أحد الإخوان مازحا : (( إنكم يهود حقا فلم تقدموا لنا شايا ولا قهوة ولو جئتم عندنا لأكرمناكم)) فرد اليهودي قائلا: ((إنكم تحاصروننا منذ بضعة شهور فمن أين لنا القهوة والشاي؟ ثم إن مدافعكم أمس دمرت مطبخ المستعمرة وأتلفت الموقد الوحيد لدينا)) وكان تعلىقي على هذه المحاورة المازحة أن هذه الأخبار هي عندي أهم من القهوة والشاي!! وفي العودة كفار ديروم انتابني شعور غريب وأنا أعبر نفس الأرض التي عبرتها قبل شهور زحفا على البطن والرصاص يلفح وجهي كأنه صفير الأبالسة! والواقع أننا لم نحاول العودة إلى (كفار ديروم) حربا وإنما عدنا إليها في منتصف يوليو بعد أن أفلحت خطة الحصار في إنهاك قوتها واقتنعت القيادة الإسرائيلية بسحب وحدة الهاجاناه من هناك .

وفي اليوم التالي أرسلنا بضع سيارات لنقل جثث الشهداء بعد أن أعددنا لها مدافن في (مقبرة الإخوان المسلمين القائمة على أحد التلال المشرفة على قرية دير البلح) وتم الدفن فعلا في حفل رسمي حضره وجهاء البلدة والقرى المجاورة .

بعد هذه الحوادث بدأت القوة المصرية النظامية تزحف على فلسطين بقيادة اللواء ((أحمد محمد على المواوى)) واحتلت في زحفها السريع كثيرا من المدن الساحلية ثم توقفت في (غزة) لتنسق عملياتها المقبلة وكان مفروضا أن يبدأ التنسيق بتوحيد القيادة في الجبهة المصرية ويبدأ التعاون الفعلى بين قوات الجيش وقوات المتطوعين وكان من رأى ((المواوى)) أن يخضع أحمد عبد العزيز لقيادة الجيش العامة تنسيقا للعمل وتوحيدا للجهد وكان يريد أن يجعل من كتيبته (قوة ضاربة) ترافق الجيش في عملياته .

غير أن أحمد عبد العزيز رفض هذه الفكرة وأصر على أن يستقل بالعمل بحجة أنه يقود جماعات من المتطوعين لا يلتزمون بالأوضاع العسكرية التي يلتزم بها الجيش النظامي وأخيرا رأى (المواوى) حسما للنزاع أن يتولى أحمد عبد العزيز قيادة منطقة (بئر السبع) على ألا يتجاوزها شمالا فيدافع بذلك عن مفتاح فلسطين الشرقي ويوزع قوات العدو بين جبهتين واسعتين ويحمى ميمنة الجيش المصري من خطر الالتفاف .

وقبل أحمد عبد العزيز هذا الرأي فجمع قواته واخترق بهم صحراء النقب ماراً بمستعمرة (العمارة) حيث ضربها بمدفعيته في (17 مايو) ودخل بئر السبع حيث قابله السكان مقابلة رائعة ولم يكد يسافر بها حتى بدأ أولى حركاته بضرب مستعمرة(بيت إيشل) الحصينة ثم شرع في توزيع قوته على هذه المنطقة فأرسل جزءا بقيادة البكباشى((زكريا الوردانى)) ليحتل (العوجة)و(العسلوج) العربيتين وأبقى جزءا آخر بقيادة اليوزباشى (محمد عبده) ليتولى الدفاع عن مدينة (بئر السبع) ومنطقتها .

أما هو فقد اتخذ قيادته في المدينة وأخذ يرسم الخطط لمهاجمة اليهود في كل مكان من الصحراء وبدا أن الخلاف قد انتهي عند هذا الحد وحل محله التعاون والانسجام لولا أن جاء وفد من مدينة (الخليل )في (19) مايو وقابل أحمد عبد العزيز والتمس منه إرسال جزء من قواته للاشتراك مع الجيش الأردني في الدفاع عن الخليل وبيت لحم وهنا نجد أحمد عبد العزيز يوافق على توزيع قوته ويقرر الزحف إلى الخليل غير عابئ بالتعلىمات التي اتفق عليها مع القائد العام وغير عابئ بما قد تجره هذه الخطوة من مشاكل سياسية إذ إن هذه المناطق كانت تدخل ضمن الجبهة الأردنية حسب الخطة العربية العامة .

وفي يوم (2.) مايو زحف أحمد عبد العزيز إلى الخليل على رأس قوة صغيرة تاركا مهمة الدفاع عن مدينة (بئر السبع) ومنطقتها لليوزباشى (محمود عبده) وفصائل الإخوان المسلمين التي تعمل تحت قيادته ولندع أحمد عبد العزيز يواصل زحفه إلى الخليل ولنقف نحن قليلا مع حماة بئر السبع حيث نشهد طرفا من أعمالهم الرائعة .

قرر اليوزباشى ((محمود عبده )) محاصرة المستعمرة وإنهاك قوى العدو بالغارات المتواصلة على مواصلاته ومراكزه وأخذ يبعث بالدوريات المسلحة لتجوب الصحراء وتعترض طرق القوافل وترغمها على الفرار تاركة خلفها الكثير من الأسلحة ومعدات الحرب .

ولقد حاول اليهود في (7) مايو توصيل بعض المؤن إلى مستعمراتهم المحصورة وكان الطريق نسف هذا الجسر حين مرور القافلة فوقه وفعلا قامت قوة من بئر السبع بقيادة المجاهد (على صديق )) وبثت الألغام تحت الجسر ......

واختبأت داخل الشعاب والمنحنيات القريبة ولم يطل بها الانتظار إذ تقدمت قافلة العدو وهي جاهلة تماما ما ينتظرها .

فما إن توسطت الجسر حتى انفجرت الألغام الهائلة وتطايرت أجزاء الجسر في الهواء وانقلبت مصفحات العدو في الوادي السحيق وانتهز الإخوان الفرصة فقاموا يقتلون كل من تظهر رأسه تحت الردم .

وأسفرت المعركة عن قتل عدد من جنود الأعداء وأسر عدد آخر من المصفحات أطلق الإخوان على أكبرها اسم قائدها (محمود عبده) وكما أرهب محمود عبده (الضابط) اليهود بخططه وكمائنه فقد أرهبت محمود عبده (المصفحة) اليهود بعد ذلك حين كانت تشترك عمليا في جميع الدوريات الناجحة!

أما أحمد عبد العزيز والإخوان الذين معه فما كادوا يدخلون مدينة (الخليل ) حتى استقبلهم السكان في مظاهرات حماسية واجتمع الناس بهم في مسجد (الخليل) إبراهيم حيث وقف الأعيان ورءوس القبائل يرحبون بمقدمهم ويبدون سرورهم البالغ لدخول هذا النوع المؤمن من المجاهدين إلى ديارهم وما كاد الجمع ينفض حتى ركب أحمد عبد العزيز في دورية إلى مدينة بيت لحم .

ولقد بدأ النزاع بين الأردنيين والمتطوعين في اليوم الأول إذ كانت قوة من الجيش الأردني تحتل المدينة وتتخذ من مركز البوليس فيها قيادة لقوات الاحتلال وكانت هذه القوة ترفع علمها على سارية المركز وأراد المتطوعون أن يرفعوا علمهم فمنعهم الأردنيون بحجة أن هذه المدينة إلى معسكرين هذا يشايع المصريين وذاك يشايع الأردنيين ووجدتها عناصر الفتن فرصا سانحة لبذر بذور الجفاء واستغلها الجنرال ((كلوب)) أسوأ استغلال فأخذ يوغر صدور المسئولين في حكومة شرقي الأردن ويتخذ من هذا الموقف دليلا على نوايا مصر إزاء جارتها العربية .

قرر أحمد عبد العزيز تخفيف القوات التي تركها في (العوجة) و(العسلوج) و(بئر السبع) وسحب معظمها إلى الخليل وبيت لحم حيث أخذ ينظم خطط الدفاع عن المدينتين متخذا مقر قيادته في فندق (وندسور) في أحد أحياء مدينة (بيت لحم) الساحرة .

|السابق| [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error