" أما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة .. الأخوة في الله على منهج الله ، لتحقيق منهج الله : { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تِفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً , وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } ..
فهي أخوة إذن تِنبثق من التِقوى والإسلام .. من الركيزة الأولى .. أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، وعلى أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة !
{ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتنّ الله بها على الجماعة المسلمة الأولى ، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً " 69
" وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين .. على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله سبحانه , وتمثل صفاته في الضمائر ، و تِقواه و مراقبته ، و اليقظة و الحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال . وعلى الحب : الحب الفياض الرائق . والود : الود العذب الجميل . و التكافل : التكافل الجاد العميق .. و بلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغاً ، لولا أنه وقع ، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض ، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد و الجنان !
وعلى مثِل ذلك الإيمان ، ومثِل هذه الأخوة ، يِقوم منهج الله في الأرض في كل زمان ) 70
ومن هنا كانت هذه العودة إلى محاولة تأكيد معنى الأخوة كجزء من إحياء فِقه الدعوة ، فإن الأخوة شرعية دعوتِنا وشعارها واسمها ، وميثاقها الذي واثِقتِنا به ، وكتابها الذي كتبته على نفسها ، وما زالت تأتي دعوتِنا المباركة بصائر جديدة من تجاربها المتكررة تسرع بها إلى ابتغاء كل وسيلة إلى هذه الفضائل وتجميع أنصارها إلى الله على التحابب ، والتكافل ، و التسامح ، و مكملات هذه الرواسي الشامخات ، وكمالها أن ترى من بعد وحدة الرؤية و الفكر و الخيال و الرجاء و المصير : وحدة القلب و الروح ، بل و وحدة اللفظ أيضاً ، فلا تكون هناك إلا صيحات واحدة . بحروف متِقاربة ، تعبر عن مفهوم واحد ، كما أراد إقبال حين يقول :
نحن من نعمائه حلف إخاء **** قلبنا و الروح و اللفظ سواء 71
فلم يقنع بوحدة القِلب ، حتى توحدت الألفاظ .