وإنه لقِلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي ، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله :
أنام على سهو و تبكي الحمائم **** وليس لها جرم ومني الجرائم
كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلاً **** لما سبقتِني بالبكاء الحمائم 32
فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع ، و الشجاعة تسقى بدموع الليل ، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك ، ولم يقل ابن القيم باطلاً في وصفه لهم بأنهم :
يحيون ليلهم بطاعة ربهم **** بتلاوة ، وتضرع و سؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم **** مثل انهمال الوابل الهطال
في الليل رهبان ، وعند جهادهم **** لعدوهم من أشجع الأبطال
بوجوههم أثر السجود لربهم **** وبها أشعة نوره المتلالي 33
و سَأَلَ عبد الوهاب عزام الليل عن أروع أسراره ، فأبان جوابه عن إصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه و استمع لتحاورهما :
قلت لليل : كم بصدرك سر **** أنبئني ما أروع الأسرار ؟
قال : ما ضاء في ظلامي سر **** كدموع المنيب في الأسحار34
أفترى المؤمنين إلا مصدق بجواب الليل ، فهو مسارع مستبق ؟
أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال ؟ يستملون الناس :
فاز من سبح والناس هجوع
يدفن الرغبة ما بين الضلوع
و يغشيه سكون و خشوع
ذاكراً لله والدمع هموع
سوف يغدو ذلك الدمع شموع
لتضيء الدرب يوم المحشر سجدة لله عند السَحَر35
و يلقنون المذنبين المخطئين طريق الجنة ، فيستملون المسرف في أخرى أن :
عد إلى الله بقلب خاشع
وادعه ليلاً بطرف دامع
يتولاك بعفو واسع
و يبدل كل تلك الحسنات حسنات أجرها لن ينفدا
كل هذا العفو للعبد المنيب
سابغا من خالق الكون الرحيب
للذي تاب إليه من قريب 36