كانت أولى الفواجع والنكبات التي مني بها العالم الإسلامي, ونزلت بساحة الإسلام, والتي تكاتفت عليها معاول الصليبية واليهودية, هي إسقاط الخلافة الإسلامية والقضاء على رمز قوة المسلمين ووحدتهم...
وبالرغم من أن القضاء على الخلافة الإسلامية جاء نتيجة خطة صليبية يهودية, بدأت عشية انتهاء الحروب الصليبية عام 690هِ كما يقول أحد مؤرخيهم ويدعى (ديجوفارا) الذي قال (إن الخطة للقضاء على الدولة العثمانية الإسلامية قد بدأت عشية انتهاء الحروب الصليبية عام 1291م (690هِ) واستمرت حتى حققت أهدافها عام 1918م.. إن أصل العداوة المزمنة التي يشعر بها الأوروبيون للأتراك, راجعة إلى العداء الشديد الواقع بين النصرانية والإسلام)(1).
بالرغم من العداء والتخطيط المزمن فإن عملية تنفيذ الإنقلاب العسكري وتوقيته جاء نتيجة المواقف الصلبة التي وقفها الخليفة عبد الحميد من مخططات (هرتزل) التآمرية على فلسطين. ففي عام 1898, تمكن هرتزل والحاخام اليهودي (موشيه ليفي) بعد توسط السفارة الألمانية, من مقابلة عبد الحميد في اسطنبول. وتقدم هرتزل من الخليفة الذي شككت فيه كثير من الأقلام والجهات وقال له:
(مولانا صاحب الشوكة, جلالة السلطان.. لقد وكّلنا عبيدكم اليهود بتقديم أسمى آيات التبجيل والرجاء, عبيدكم المخلصون اليهود يقبلون التراب الذي تدوسونه, ويستعطفونكم للهجرة إلى فلسطين المقدسة.. ولقاء أوامركم العالية الجليلة نرجو أن تتفضلوا بقبول هديتهم, خمسة ملايين ليرة ذهبية)
ولما كان السلطان عبد الحميد قد احيط علما – مسبقا – بقرار المؤتمر العالمي للصهيونية في سويسرا, وعلى علم بوصول المهاجرين اليهود من روسيا.. لذا كان يفهم ما يقصده الوفد اليهودي من هديته.. لذلك وبعد أن استمع إلى هذا العرض أمر – وبكل هدوء – مرافقه أن يطردهم من القصر, وأصدر على الفور أمرا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين)(1).
ولقد دفع الخليفة العثماني ثمن هذا الموقف كما يدفع كل المؤمنين أثمانا باهظة لمواقفهم الصَّلبة العنيدة... ففي عام 1327هِ قام (مصطفى كمال) وهو من يهود الدونما, بحركته وتم خلعُ الخليفة عبد الحميد... وفي عام 1343هِ صدر القرارُ المشؤوم بإلغاء الخلافة الإسلامية وتحويل تركيا إلى دولة علمانية. وتبع ذلك: إلغاءُ اللغة العربية, وإلغاءُ التشريعات الإسلامية, واعتمادُ الزي الأوروبي, ورفعُ الأذان باللغة التركية, وإلغاءُ المدارس المحاكم الشرعية, وإلغاء التقويم الهجري, ومنعُ حجاب المرأة المسلمة, وإغلاق المسجدين الكبيرين في اسطنبول (آيا صوفيا ومحمد الفاتح) كما قامت السلطة بإعدام مئاتö العلماء في مدينة (منامن)
ومما تجدر الإشارة إليه هنا, هو أن (ايمانويل قره صو) رئيس الجالية اليهودية في ولاية (سالونيك العثمانية) كان أحد أعضاء الوفد الذي حَمَلَ الى الخليفة العثماني قرارَ عزله عن الخلافة.