(3) ومن العدل ومقتضياته الموازنة بين الجرح والتعديل، والتوسط بين التوثيق والتضعيف ، وعدم الاكتفاء بطرفي الحق والسكوت عن الطرف الآخر، إذ قد تحمل العبارة بين طياتها ذم وهي المدح ، وقد يكون ظاهرها المدح وفيها مكامن الذم .. ومنها ما حصل لبعض علماء الجرح والتعديل حيث يطنب أحدهم بمحد من يحب ويذكر كل محاسنه ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ، ويتأول له ما أمكن ، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر يكثر بنقل أقوال من طعن فيه، ويعيد ما ذكره، وبيديه ، ويكرر عبارات الجرح بأساليب شيتى، ولا يستوعب المحاسن ، ,إذا ظفر على أحد منهم بغلطة: أظهرها ، وأحياناً يذكر الكلام المبطن، كما يرد على الألسنة اليوم مما هو قديم يصفه أبن السبكي فيقول:
( إن من يرتكب ما تقدم كلما يذكر بين يديه شخص ، فيقول دعونا منه، أو أنه عجيب ، أو الله يصلحه، فيظن أنه لم يغتبه بشيء من ذلك ، مع أنه من أقبح الغيبة.. ).
أو أن يركز المقوم على جانب – هو حق – ويتغاضى عن حق آخر ، فتكون نتيجة الصورة مشوهة ، وكل ذلك تجاف عن الإنصاف ، وما الإنصاف إلا من العدل ، كما ورد في تفسير الإمام على – رضي الله عنه – للعدل في قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان):
فقال : العدل : الإنصاف : والإحسان: التفضل ).
ومن اقتضاء العدل والإنصاف : الموازنة وعدم المبالغة في المدح والثناء أو الذم والهجاء ، فهذا الأمر ليس من اقتضاء الموازنة ، وعلى المقوم – جهد الإمكان – أن لا يرفع من يحب فوق مرتبته ولا العكس ، وإن كان الغالب أنه لا قدرة للمرء على تجنب هذا ، فحب الشيء يعمى ويصم. ..
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدى المساويا
ولكن يحاول المرء جهد استطاعته ،ويصدق مع نفسه جهد الإمكان ( واتقوا الله ما استطعتم ).
( ولو لم يكن من آفات المبالغة إلا من أشار إليه إمامنا الشافي رحمة الله بقوله: ما رفعت أحد فوق مقداره إلا وإتضع من قدرى عنده بقدر ما رفعته به أو أزيد .... ).
والواقع أن التوازن من خصائص الشريعة في كل أمورها ، وما المدح والثناء إلا أحد ظواهر هذه الخاصية، كما أورد ذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام عند ذكره لقاعدة الاقتصاد في المصالح فقال منبها على ضرورة الاقتصاد والموازنة حتى في أمر المدح والذم:
( وكذلك المدح المباح لا يكثر منه، ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس الحاجة ترغيبا للممدوح في الإكثار مما مدح به، أو تذكير الة بنعمة عليه ليشكرها، وليذكرها بشرط الأمن على الممدوح من الفتنة ، وكذلك الهجاء الذي تمس الحاجة إليه لا ينبغي أن يكثر منه إلا حيث أمر به في الشهادات والروايات والمشورات. ولا تكاد تجد مداحاً إلا رذلاً ولا هجاءً إلا نزلاً).
ولا بد ن الإيضاح أن كلمتي ( مداح وهجاء ) ، هما من صيغ المبالغة، والمقصود بهما أصحاب الإفراط والمبالغة بالمدح والهجاء. ويؤخذ من الن أن من المصالح التي جاءت بها الشريعة التوسط والموازنة الممدوحة.