صيدا الحبيبة، هذه المدينة التي أدارت ظهرها لجهة الشرق مستظهرة جملة من الهضاب والجبال الشامخة المتعالية نحو السماء، واستقبلت هذا البحر اللجي الذي تراه هادئاً في كثير من الأحيان، لكنك أيضاً قد تراه في بعض الأحايين هائجاً ثائراً يلقي الرعب في قلوب الذين يفكرون في مواجهة موجه المتلاطم أو تحدي عبابه. لعل هذه المدينة الواقعة بين الجبل والبحر تأثرت بهما أشد التأثر، فأهلها الموسومون بالدعة والوداعة والطيبة كانوا على مر التاريخ ثورة عارمة في وجه المحتلين والمعتدين الذين يريدون النيل من عنفوانهم أو عزتهم وكرامتهم، كأنهم تعلموا من الجبال معاني الصمود والشموخ، وأخذوا عن البحر روح الثورة والتحدي.
هذه هي الصبغة العامة لأبناء صيدا، لكن لعلك تجد أن هذه الصفات متفاوتة إلى حد ما بين إنسان وآخر. لذلك فإننا نجد من بين أهل مدينتنا نماذج من الناس تميزت بين أقرانها، ولمع نجمها في سماء العزة والرفعة، وذاع صيتها في آفاق التحدي والثورة، فصارت أسماؤهم مرادفاً لمعاني الصمود والجهاد ضد المعتدين والطغاة. وما هذه الصفحات إلا سيرة لواحد من هؤلاء العظام، إنها سيرة الشيخ محرم عارفي، ذلك الرجل الطيب، الوديع، الهادئ في فترات الرخاء والاستقرار، لكنه أيضاً القائد الثائر، والمجاهد الصامد في زمن الشدة والتحدي. إنها سيرة أحد أبناء صيدا، مدينة الكرم والحفاوة، ومدينة الثورة والتحدي والصمود.