في العام 1974 يسر الله للشيخ محرم أداء فريضة الحج، وكانت هذه أول حجة يؤديها، وهناك في رحاب الديار المقدسة جاور الشيخ محرم الكعبة المشرفة وقضى الساعات الطوال بحذائها يتلو القرآن ويقوم الليل، وشهد بعض من عرف الشيخ في رحلات الحج أنه كان يطيل الصلاة بخشوع واستكانة مغتنماً فرصة وجوده في هذه البقاع الطاهرة ليتزود من خير الزاد، زاد الإيمان والعمل الصالح...
كذلك في المدينة المنورة كان رحمه الله يلازم المسجد النبوي مجاوراً الحجرة الشريفة مرابطاً في الروضة المباركة، ويكفيك أن تستمع إلى الأشعار وكلمات المدح والثناء التي كان الشيخ محرم يرددها في دروسه وخطبه لتعلم مدى شفافية هذا الإنسان ومدى تعلق قلبه بحب الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا الحب العجيب الذي تجلى من خلال دأب الشيخ على الإلتزام بنهجه والإستنان بسنته مهما كلف الأمر...
وفي الحج كان الشيخ محرم يجعل من نفسه خادماً للعامة والبسطاء من الناس فيرشد ويعين ويعلم، وكأنه يحج عن نفسه وغيره في آن معاً...
وتحكي لنا زوج الشيخ كيف يسر الله لها مرافقة الشيخ أكثر من مرة لأداء هذه العبادة الجليلة، لكنها تعلن أنه كان معها في جسده لكن قلبه وروحه منشغلان في خدمة الحجيج ومعاونتهم... لقد عشق الشيخ هذه العبادة عشقاً فكان يداوم على أدائها في كل عام، ولم ينقطع عن ذلك إلا بسبب الاعتقال الذي طاله على أيدي اليهود، لكنه بعد خروجه من المعتقل عاد لهذه السنة الحميدة حتى كانت آخر حجة له عام 1999 بعدها اشتد عليه المرض وتوفاه الله تعالى ونفسه تواقة لأداء حج الموسم التالي بعد أن قدم الأوراق اللازمة ولكن قدر الله وما شاء فعل...
لئن كان الشيخ يرى في الحج فرصة للعبادة والتقرب من الله، فإنه كذلك كان يرى فيه مؤتمراً عالمياً يشهده أبناء الأمة الواحدة على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم وأعراقهم وقومياتهم... ويحدثنا أبو العطاء –أخو الشيخ محرم- عن حادثة تجلت من خلالها الكثير من العبر...
كان الشيخ في المسجد الحرام، وهناك التقى أحد الأشخاص المتحمسين للدعوة القومية، فأراد الشيخ أن يثبت للرجل أن الإسلام أسمى وأرقى من كل الدعوات سواء كانت قومية أو عرقية أو غير ذلك... فطالبه بأن يتأمل مشهد الحجيج وهم يطوفون حول البيت العتيق وفيهم الأبيض والأسمر والأسود، العربي والأعجمي... لكن لباسهم واحد وفعلهم واحد وربهم واحد وعبادتهم واحدة... وسأل الشيخ ذلك الرجل قائلاً:
'بالله عليك من غير الإسلام يقدر على جمع هذا الشتات ليجعل منه أمة واحدة تذوب في رحابها كل الاختلافات؟'
لم يملك الرجل من جواب إلا أن دمعت عيناه إقراراً بقدرة الله وعظمة دينه وإفلاس كل الدعوات الأخرى... نعم، لقد فهم الشيخ محرم معنى عالمية الدعوة من خلال كتابات مفكري الحركة الإسلامية نظرياً لكنه لمسها عملياً من خلال هذه الرحلات المباركة...