شهد العام 1983 تطورات لم تكن في حساب الصهاينة وعملائهم. نعم لقد استطاعت الآلة العسكرية الصهيونية أن تجتاح لبنان مروراً بجنوبه ووصولاً إلى العاصمة بيروت. كما تمكن هذا الجيش الجرار –الذي حقق توسعاً خطيراً كهذا- من سحق المقاومة التي تصدت له أيام الإجتياح صيف عام 1982... لكن ومع حلول العام 1983 كانت المعطيات قد تغيرت، لقد ظهر بشكل جلي أن الآلة العسكرية الجبارة يقودها جنود سمتهم الأساسية الجبن والخوف. بالمقابل كانت هناك ثلة من المؤمنين لا يملكون من العتاد والعدة الشيء الكثير...لكنهم كانوا يملكون إيماناً يخفق في قلوبهم، ونفساً تحدثهم بالشهادة في سبيل الله، حتى أن الواحد منهم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه...
وكانت البداية على يد الشهيد جمال حبال رحمه الله تعالى. لقد أراد الشهيد القائد أن يؤسس نواة العمل الجهادي في مدينة صيدا، فعمل مع إخوانه على شن حرب عصابات طالت دوريات الصهاينة وعناصرها.
لقد اتخذ الشهيد جمال حبال من بيروت مركزا للتخطيط والتحضير لتلك العمليات. ومع تنفيذ كل ضربة من تلك الضربات الموجعةالتي آلمت الصهاينة، كان الشهيد القائد يدخل إلى مدينة صيدا خلسة، فيتصل بإخوانه سراً...عندها تحدد الأهداف وتوزع الأدوار والمهام، فالبعض يرصد، والبعض يهاجم...أما المبدأ المعتمد فهو الكر والفر، وبعد انتهاء الهجوم كان المجاهدون يلوذون إلى أماكن سرية بعيدة عن الشبهات، تاركين الصهاينة منشغلين بقتلاهم وجرحاهم.
وتكررت العملية فأثخن العدو، وأربك إرباكاً شديداً، ولم يغن عنه شيئاً، لا أسلحته المتطورة ولا تفوقه العددي فضلاً عن تعامل الخونة معه.
وهكذا بقيت عناصر جيش الإحتلال فريسة لصور "قوات الفجر". هذه القوات التي عزمت مستعينة بالله على تبديد دجى الإحتلال، ليطلع فجر النصر، وتعلو في سماء الوطن آيات النصر والعزة المسطرة بدماء المجاهدين...
وفي شهر كانون الأول من العام 1983، وبعد سلسلة عمليات بطولية آلمت العدو واربكته، تمكنت أجهزة الصهاينة من رصد القائد المجاهد جمال حبال بعد تنفيذه لإحدى العمليات. فقد لجأ مع أخيه المجاهد محمود زهرة إلى منزل الشهيد محمد علي الشريف الكائن في منطقة القياعة. وما كان من العدو إلا أن سارع بتطويق المنطقة وتضييق الخناق عليها ظناً منهم أن المجاهدين الثلاثة فريسة يسهل اقتناصها. لكن الأمر كان خلاف المتوقع حيث بادر المجاهدون بالتصدي للعدو المحتشد، وهناك دارت رحى المعركة التي استمرت طوال الليل إلى أن انتهت مع ساعات الفجر الأولى –قرابة الثانية- من فجر يوم الثلاثاء 27/12/1983، هناك استبسل المجاهدون وثبتوا حتى قضوا شهداء، ومضوا نحو الجنان، بعد أن خطفوا أرواح عدد من جنود العدو بينهم ضابط برتبة ميجور جنرال من قوات المظليين. هذا فضلاً عن الجرحى والخسائر التي طالت الآليات والعتاد...