أيضاً شهدت تلك الفترة تنامي حب الشاب محرم للقرآن الكريم، فعكف مع أواخر العام 1967 ومطلع العام 1968 على حفظ القرآن الكريم، فحبس نفسه في مسجد قطيش لمدة ثلاثة أشهر أو يزيد، يصل الليل بالنهار ولا يخرج من المسجد إلا في حالة الضرورة القصوى، وإذا ما خرج سرعان ما عاد إليه، إذ كان همه ودأبه أن يحفظ القرآن الكريم... وكان له ذلك بفضل من الله ونعمة... ومنذ ذلك الوقت شهدت شخصية الشاب محرم تطوراً إيجابياً حباراً عبر عنه بقوله:
'منذ أن أكرمني ربي بحفظ القرآن الكريم، كان هذا الكرم مصحوباً بنفسية تأبى الذل والهوان، مصممة على مقارعة الظلم والعدوان، تواقة إلى لقاء الله والجنة... ومهما حاول المعتدون والخائنون صدها عن هذا الإتجاه، فسوف تفشل جميع المحاولات... لأن هذا الإتجاه المستقيم أصبح ولله الحمد عقلي الذي يفكر وقلبي الذي ينبض...' 2/10/1984
وبحلول العام 1969 يبدأ محرم الشاب نشاطه الدعوي كمحاولات متواضعة تحمل في طياتها مشروع دعوة سيبلغ يوماً آفاق الوطن الحبيب، بل ويتعداه منطلقاً غرباً وشرقاً. لقد شرع محرم الشاب منذ ذلك العام في إلقاء الخطب والدروس والعظات... وكانت قرى الجنوب مثل البرغلية وضيعة العرب وغيرها... فضلاً عن المخيمات الفلسطينية مسرحاً لنشاطه في تلك الفترة... ويحكي لنا فضيلة الشيخ خليل الصيفي كيف حل في مدينة صيدا كإمام للمسجد العمري الكبير وذلك ابتداءً من شهر تشرين أول من العام 1969 وهناك كان لقاؤه الأول بمحرم عارفي الشاب المتحمس للدعوة، في ذلك اليوم بادر بسؤال الشيخ خليل عن كيفية تلاوة قوله تعالى: 'يا بني اركب معنا' بشكل سليم... وعن الفرق بين 'صرير الأقلام' و'صريف الأقلام' الواردة في قوله صلى الله عليه وسلم: 'عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام' رواه البخاري، و'صرير الأقلام عند الأحاديث يعدل عند الله التكبير الذي يكبر في رباط عسقلان وعبادان' قال الإمام الذهبي في الميزان خبر باطل.
وأجاب الشيخ خليل، ودون الشيخ محرم الشاب كلام الشيخ في دفتر كان بجوزته، بعدها أطلع الشيخ على خطبة مدونة عنوانها (حفظ اللسان)سبق له أن ألقاها في قرية البرغلية...
خلال هذا اللقاء رأى الشيخ خليل نفسه أمام شاب متحمس للدعوة يحب أن يتعلم العلم، ويحب أن يعلمه للآخرين امتثالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'بلغوا عني ولو آية' رواه البخاري.
والجدير بالذكر أن العمل الأساسي لمحرم الشاب كان حرفة السباكة، وبسبب كونه عاملاً بسيطاً، كان دخله المالي قليلاً لكنه رغم كل ذلك كان يدفع من جيبه أجرة الطريق ليصل إلى القرى الجنوبية حيث يعمل على تبليغ الدعوة وتثقيف الناس قدر استطاعته...
كذلك شهدت مدينة صيدا في ذلك العام تحولاً في مسار محرم الشاب فقد صار يؤم الناس متطوعاً في مسجد قطيش، وكان يتطلع إلى الظفر بوظيفة دينية رسمية من خلال الأوقاف الإسلامية إيماناً منه بأن هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات الإسلامية كالمحاكم الشرعية ودار الفتوى هي حصن من حصون الإسلام وواجب المسلم أن ينضم إليها ويعمل من خلالها على خدمة المجتمع والدعوة... وقدر الله أن ينال محرم مبتغاه، إذا صدر بتاريخ 4/2/1969 قرار بتعيينه قارئاً في مسجد قطيش، عقبه قرار آخر بتاريخ 27/10/1969 بتعيينه مؤذناً في المسجد ذاته... هنا بدأ الشاب يتحول ليكون لاحقاً الشيخ محرم عارفي بشكل رسمي...
كذلك في العام 1969 شهدت صيدا تحولاً نوعياً في النشاط الدعوي إذ تزامن حلول فضيلة الشيخ خليل الصيفي في ربوعها مع إطلالة سماحة القاضي المستشار فيصل مولوي على ساحتها... ومنذ ذلك التاريخ صارت الحلقات تعقد في منزل الشيخ خليل الكائن في منطقة ساحة الشهداء، وهناك كان يتم التباحث، لا في قضايا الوضوء والطهارة فحسب، بل كان النقاش يتعدى هذه المباحث الشرعية المهمة ليطال موضوعاً لا يقل عنها أهمية، ألا وهو موضوع التحديات التي تواجه الدعوة الإسلامية وضرورة تطوير النشاط الدعوي في لبنان والدول الأخرى ليكون على مستوى هذه التحديات التي تواجه الدعوة الإسلامية...
في تلك الجلسات بدأت نواة العمل الإسلامي المنظم في مدينة صيدا، وبدأ الشباب المسلم يتواصلون مع رموز الفكر الإسلامي المعاصر ورواد الصحوة الإسلامية المباركة مثل الإمام المجدد حسن البنا، والشهيد سيد قطب، وسعيد حوى، ومحمد قطب، ومحمد الغزالي وغيرهم...