نعود إلى أعقاب حادثة اعتقال الشيخ محرم، فقد استيقظت صيدا صباح الأربعاء 28/12/1983 لتجد العديد من شبابها قد بات خلف القضبان في المعتقلات الصهيونية. بدأت المدينة تغلي ويجيش الغضب في صدور الشرفاء من أبنائها استنكاراً لهذا الظلم، وبدأت التحركات لتنظيم اعتصام حاشد يعلن فيه موقف المدينة من هذه الاعتقالات...
أحس الصهاينة بالتحركات الهادفة لتنظيم الاعتصام فبدأت محاولات الإرهاب والتخويف لثني رموز المدينة عن المشاركة في هذا الاعتصام لتحجيم آثاره وتقليص صداه.
كان سماحة مفتي صيدا والجنوب الشيخ محمد سليم جلال الدين من الذين طالهم الإرهاب الصهيوني حيث داهموا منزله بعد أن أطلقوا النار عند المدخل الخارجي لإحداث جو من الرعب.
قرع الباب بعنف، ففتح سماحته الباب، فإذا بالصهاينة عند العتبة. ما الأمر؟ تفتيش!!
تمالك الشيخ الوقور نفسه، وقاد المسؤول العسكري إلى داخل البيت من غرفة إلى غرفة...
ثم سأل سماحة المفتي المسؤول العسكري: عن ماذا تبحثون!!
فقال المسؤول العسكري: عن الأسلحة...
فقال الشيخ الجليل: لو أنك ذكرت الأمر من البداية، انتظر...
ومضى سماحة المفتي، ثم عاد حاملاً قطعة قماش لف فيها مسدس لم يستعمل منذ سنوات طوال طوال...فالشيخ الجليل رجل علم وقانون، وماذا يفعل مثله بالسلاح بعد أن بلغ من الكبر عتياً؟؟
لكن اليهود أرادوا لهذا التصرف أن يكون رسالة لسماحة المفتي عله يحجم عن المشاركة في الإعتصام الإستنكاري المقرر...
لم يلبث الصهاينة أن غادروا المنزل بعد أن اقتادوا معهم أحد أبناء سماحة المفتي، لكنهم سرعان ما أطلقوا سراحه، فالأمر كما ذكرنا مجرد تهويل وتخويف. مع ذلك لم تثن سماحته هذه الفعلة عن المضي في مشروع الإعتصام.
أطل يوم الجمعة في 30/12/1983، وإذا بمسجد الزعتري يشهد الجموع المحتشدة وعلى رأسهم سماحة المفتي الذي قام فيهم خطيباً، وضمّن خطبته كلمات الإستنكار والإحتجاج على العسف الصهيوني. ومما جاء في كلامه، قوله:
إن السلاح الأمضى ضد المحتل هو سلاح الإيمان، وهو سلاح مشروع...
وبعد انقضاء الصلاة بقيت الجموع معتصمة، وقد استحال غضبهم إلى ما يشبه الثورة العارمة، وصارت هتافات التحدي تتردد في المسجد على ألسنة المعتصمين. لكن سماحته تدخّل ونصح بالهدوء، ليس خوفاً من شيء، بل مراعاة لحرمة المسجد حيث لا يصح الصخب فيه.
وفي تلك الأثناء يأتي خبر عاجل من منزل سماحة المفتي مفاده أن الحاكم العسكري الإسرائيلي قد اتصل به يريد الإعتذار...ولما كان سماحة المفتي خارج البيت بداعي مشاركته في الإعتصام، أعلم الحاكم العسكري أهل البيت أنه سيعاود الإتصال ثانية.
وجد سماحة المفتي أنه من الحكمة أن يتم التعاطي مع هذه المبادرة بشكل جماعي، فأعلم إخوانه العلماء، والنائب نزيه البزري وبعض الفعاليات بالذي كان من الحاكم العسكري، ودعاهم جميعأً للاجتماع في منزله ليصار إلى اتخاذ الموقف المناسب من تلك المبادرة الإسرائيلية...
تم عقد الإجتماع في منزل سماحته، وسرعان ما سمع رنين الهاتف، فإذا به اتصال من الحاكم العسكري للمرة الثانية يعلم المفتي عن الرغبة بالاعتذار على ما كان من أمر تفتيش منزله واعتقال ولده. لكن سماحة المفتي يعلن أن المسألة ليست شخصية لتكون منحصرة باعتذار يوجه لشخصه الكريم...بل هي مسألأة متعلقة بمن يمثلهم بحكم موقعه الديني، إنها مسألة تتعلق بالمدينة بأسرها، لذلك فإن الاعتذار الشخصي لا يجدي نفعاً بل لا بد أن يكون الاعتذار موجها للميدنة بأسرها...
وفي سبيل وضع صيغة الاعتذار الذي يمكن للمينة أن تقبله يسارع سماحته للإعلان عن اجتماع موسع في اليوم التالي – السبت 31/12/1983 – وبالفعل يتجاوب السادة العلماء والقضاة والسياسيون مع هذه الدعوة ويتم التباحث في الأمر ويتوافق المجتمعون على الآتي:
إن الذي كان من الصهاينة يعتبر إهانة لمشاعر أبناء المدينة الصامدة بأجمعهم، لذلك لا يمكن الاعتذار مقبولاً إلا إذا ترجم بفك الحصار الآثم الذي ضربه الصهاينة على المدينة لخنقها، كما لا بد من إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين بما فيهم فضيلة الشيخ محرم عارفي...
ويتم الإتصال بمكتب الحاكم العسكري الصهيوني عبر الهاتف حيث يبلغ ما توافق عليه المجتمعون...
لكن الصهاينة ما كانوا ليطلقوا الأسرى بهذه السهولة، فلغة الإستنكار والمطالبة أثبت التاريخ عدم جدواها مع مثل هؤلاء. وهكذا بقي الأسرى في قبضة العدو الغاشم...وبقي الشيخ محرم غائباً لا يعرف عنه شيء.
أحي هو أم ميت؟
سليم هو أم سقيم؟؟
في أي السجون تراهم جعلوه؟؟؟
أربعة شهور مضت ولا يعرف عنه شيء إطلاقاً، فلا هو مع الموقوفين في صيدا، ولا هو مع المعتقلين في أنصار...لذلك بادرت الجماعة الإسلامية وتجمع العلماء المسلمين إلى تفعيل قضية اختطاف الشيخ من بيته وتغييبه عبر إثارة قضيته من خلال الصحافة اللبنانية آملين أن يسهم ذلك في بقاء قضيته حية خشية أن يغلفها التجاهل أو النسيان...
وطالت فترة الإنقطاع، وزوج الشيخ يتزايد قلقها يوماً بعد يوم، فوساوس الشر تجول في خلدها ولا تترك للراحة سبيلاً إلى قلبها...
وساوس وأسئلة قضت مضجع الزوجة المخلصة، وجعلت النوم يهجر مقلتيها. وكما كانت الزوجة قلقة كذلك كان أحباب الشيخ.
وشاء الله أن يخفف عن الزوجة الصابرة محنتها، فإذا بها تقرأ هذا الحديث:
الصدقة تسد سبعين باباً من السوء
هذا الحديث رواه الطبراني في الكبير وفيه حماد بن شعيب وهو ضعيف.
فتسارع، إيماناً وتصجيقاً برحمة الله وفضله العميم، إلى التصدق بمبلغ من المال بنية أن يكشف الله السوء عن زوجها الشيخ المجاهد...وشاء الله أن تتحقق أمنيتها فإذا برسالة تصل عبر الصليب الأحمر الدولي مؤرخة بتاريخ 15/3/1984 تحمل اسم الشيخ (محرم عارفي) ورقمه (11666) ومكان وجوده (سجن كيشن) في داخل فلسطين المحتلة...ومعنونة بكلمتين اثنتين (بصحة جيدة) لا غير.
وصدق الله القائل:
ومن يتق الله يحعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب
حلقت روح الزوجة المخلصة من شدة الفرح، وراحت تعلم كل أحباب الشيخ بأمر الرسالة، وأنه بصحة جيدة، ففرح الجميع بسلامة الشيخ المجاهد.