والدين ضرورة اجتماعية , فكل الغيورين على مصالح الشعب وكرامته يشعرون معنا بأن مجتمعنا ملئ بالنقائص والمفاسد وأن الواجب يحتم علينا المبادرة إلى معالجة هذه النقائص والمفاسد من الواجب من أقرب طريق وأحكمه. ولا يشك كل من درس الإسلام بروح منصفة وعرفه على حقيقته من مصادره الصافية في أنه خير وسيلة لإصلاح العيوب التي نشعر بها في وطننا , وأسرع طريق للوصول إلى الإصلاح الذي ننشده , ذلك لأنه يكفل لكل مواطن حقه من العلم والعقيدة والعبادة والحياة الكريمة التي من ضرورتها في الإسلام المسكن الصالح والغذاء الصالح والملبس الصالح والعلاج الكافي , كما أنه من ضرورتها توفير الكرامة لكل إنسان حتى لا يهان بشتم أو تحقير أو عقوبة بغير حق , والإسلام يسخر قوى الدولة كلها لتحقيق هذه الضرورات للمواطنين جميعا ولا يترك أمرها لضمائر الناس حين تغفل القيام بواجبها.
ولعل مما يجهله كثير من الناس أن من مقاصد الجهاد في الإسلام رفع الظلم بمختلف أنوعه عن الضعفاء والمظلومين في الأرض (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö اللهö وَالْمُسْتَضْعَفöينَ مöنَ الرّöجَالö وَالنّöسَاءö وَالْوöلْدَانö الَّذöينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرöجْنَا مöنْ هَذöهö الْقَرْيَةö الظَّالöمö أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مöنْ لَدُنْكَ وَلöيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مöنْ لَدُنْكَ نَصöيراً) (النساء:75).
إن هذه المبادئ التي ينادي بها الإسلام لإصلاح المجتمع هي جزء من نظامه العام وعقيدته الشاملة , وهو بذلك يلامس عقائد الناس , فالاستجابة إلى هذه المبادئ التي ينادي بها الإسلام هي نظر المسلم فرض يجب تحقيقه كالصلاة والصيام.. فلماذا نترك هذا السلاح الفعال السريع في إصلاح أحوالنا؟
أما الخوف من أن تؤدي الاستفادة من الإسلام في إصلاحنا الاجتماعي إلى الإساءة إلى إخواننا المواطنين من غير المسلمين فهو خوف لا محل له لأن ما يستفيده المجتمع من إصلاح الإسلام يشمل الناس جميعا , وخير لغير المسلمين أن يعيشوا في مجتمع تكفل فيه أسباب السعادة والعيش الكريم وتحكمه مبادئ الأخلاق الفاضلة التي نادت بها الشرائع جميعا من أن يعيشوا في مجتمع مفكك كمجتمعنا الحاضر الذي يفيض بالمآسي والمظالم.
ومن الضرورات الاجتماعية التي تحتم الاستفادة من الإسلام في وضعنا القائم أنه خير علاج للقضاء على التعصب الديني الذميم والنعرات الطائفية البغيضة , فالإسلام قدر الحقيقة الواقعة وهي اختلاف الناس في أديانهم , وقدر الحاجة إلى تعاونهم في الحياة مع اختلاف أديانهم فأمر المسلمين باحترام عقائد الآخرين , وحرية عباداتهم , بل أوجب علينا الإيمان بالأنبياء السابقين وكتبهم المنزلة (قُولُوا آمَنَّا بöاللهö وَمَا أُنْزöلَ إöلَيْنَا وَمَا أُنْزöلَ إöلَى إöبْرَاهöيمَ وَإöسْمَاعöيلَ وَإöسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطö وَمَا أُوتöيَ مُوسَى وَعöيسَى وَمَا أُوتöيَ النَّبöيُّونَ مöنْ رَبّöهöمْ لا نُفَرّöقُ بَيْنَ أَحَدٍ مöنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلöمُونَ) (البقرة:136) , ومن أجل ذل كان المجمع عليه في الإسلام أنه لا يجوز شتم أهل الكتاب في دينهم وأنبيائهم وكتبهم , ومن الظواهر البارزة في تاريخ الإسلام كله أنه لم تحاول دولة من الدول الإسلامية سواء في عصور العزة والعلم أم في عصور الضعف والجهالة أن تتدخل في شئون غير المسلمين الدينية بل كانت تترك لهم حرية التحاكم إلى محاكمهم الملّية في أحوالهم الشخصية , وكل ماله علاقة بعقائدهم.
فعل المسلمون هذا في مختلف العصور لا مجاملة ولا تفضلا .. بل نزولا على حكم الإسلام ولو أمرهم الإسلام بغير ذلك لفعلوا , ونزيد على ذلك أن ما أوجبه الإسلام على المسلمين من آداب المعاملة في الجوار لم يفرق فيه بين مسلم وغير مسلم ,قال الرسول عليه السلام: (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده) .. هذا هو موقف الإسلام وعمله في القضاء على التعصب الطائفي لا كما يظنه المغرضون على الإسلام والجاهلون به.