وأما العقوبات .. فأكثر ما يعترض بها علينا قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن , وقد بينا في كثير من المناسبات أنه لا تقطع يد سارق إلا إذا استوفى حقه من التعليم ومن المسكن والمأكل والعلاج , وسداد دينه إذا كان مدينا , ولذلك لم يثبت في تاريخ الإسلام أن قطعت أيدي أكثر من ستة أشخاص , ورهبة العقوبة مانعة من التعدي.
وأما حد الزنا فحسبنا أنه لم يثبت ولا مرة واحدة بشهادة الشهود ِ وهم أربعة لابد أن يروا رأي العين ِ فهذه عقوبات تهديدية لكي تبين للناس فداحة الجرم إن هم أقدم عليه , وعادلة لأنها لا تطبق إلا في مجتمع إسلامي متكامل توافرت فيه دعائم التربية السليمة , وأسباب الاستقرار الاجتماعي المادي والأدبي.
ووراء الحدود القليلة ِ التي نص عليها الكتاب وبينتها السنة ِ باب واسع لنظام العقوبة في الإسلام اسمه (التعزير) استفاضت فيه بحوث فقهاء الإسلام , وبلغت حدا من الغنى والدقة يعز معها على دارس القانون أن يرى جهل المسلمين وغفلتهم عن الاستفادة منها , وآراء الفقهاء التي تقابل الآراء المعمول بها في القوانين القائمة , فماذا علينا لو تلمسنا الرأي الأنفع فيما عندنا قبل أن نتسول من عند غيرنا , فنكون بذلك قد أرضينا ربنا الذي قال: (وَأَنö احْكُمْ بَيْنَهُمْ بöمَا أَنْزَلَ اللهُ) (المائدة:49) , ولم يقل بمثل ما أنزل الله , ونكون كذلك قد حفظنا لأمتنا عزتها القومية , وأمانتها في رعاية الميراث العزيز الذي ألقاه التاريخ أليها ..
وبعد , فإنه يجب أن يتبين الناس أغراضنا من الدعوة إلى الإسلام والحكم بشرائعه .. إنها الدعوة إلى العلم والعمل , وإلى النظام الإلهي المحكم في محاربة الجهل والرذيلة والمرض ... دعوة إلى الطهر والاستقامة والخير للناس كافة ..
والله يتولانا بتأييده ..
حسِن الهضِيبي