في هذه الأيام التي يكثر فيها الكلام عن الدستور , ولجنة الدستور , وكيفية وضعه , وماذا ينص عليه فيه , يتساءل الناس عن معنى قول الإخوان المسلمين: (القرآن دستورنا) , ومكان هذا الكلام من الدستور المرتقب , وما ينبغي أن يكون عليه الدستور الجديد حتى يكون متفقا مع ما جاء بالقرآن الكريم من أحكام.
ليست دعوة الإخوان المسلمين شيئا جديدا , وإنما هي الدعوة التي أمرنا الله تعالى بها إلى آخر الزمان (وَلْتَكُنْ مöنْكُمْ أُمَّةñ يَدْعُونَ إöلَى الْخَيْرö وَيَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَيَنْهَوْنَ عَنö الْمُنْكَرö) (آل عمران:104) , وقد أذن الله لهذه الدعوة أن تنشأ في مصر ثم تجتاز حدودها إلى جميع البلاد الإسلامية , حتى لم يعد (الإخوان المسلمون) اسما لجمعية أو هيئة في مصر , ولكنه أصبح علما على بعث فكرة الإسلام الخاص النقي , ونهضة المسلمين في جميع مشارق الأرض ومغاربها.
ولما كان هذه البعث لا يتفق مع ما وقع فيه المسلمون ِ بسبب تركهم دينهم وعدم اتباع أوامره ونواهيه والأخذ بفضائله ِ من جهل وذل واستعباد , كان أعداء الإسلام والمستعمرون وطلاب المنافع الحرام والجهلة من كبراء المسلمين حربا على دعوة الدين .. يشوهون من مقاصدها , وينسبون لها ما ليس منها , بالكذب والافتراء وتزييف الوقائع , حتى لقد أخبرني بعض العائدين من السويد أن الجرائد نشرت صور نفر من الناس مقطوعي الأيدي يظن أنهم من مشوهي الحرب , وكتبت تحتها: هكذا يقطعون الأيدي في القاهرة من أجل السرقة. وأخبرني بعض مراسلي الصحف الأجنبية أن القوم في إنجلترا يعتقدون أن دعوة الإخوان المسلمين هي دعوة إلى ترك جميع مظاهر المدنية والرجوع إلى معيشة البدو في الصحراء ... فرأيت لذلك أن أعبر عما يمكن أن يشتمل عليه الدستور الجديد من مبادئ مأخوذة من القرآن.
وقبل ذلك يجب أن نعلم أن القرآن لم يقم على القوانين وما اشتملت عليه من عقوبات ومعاملات وعبادات فقط , فإن القرآن نحو ستة آلاف آية ومجموع آيات الأحكام فيه لا يزيد عن خمسمائة آية فصلها العلماء وبنوا عليها فقها كثيرا لا يختلف لا يختلف إلا في قليل عن أحكام العصور الحديثة.
وإنما قام القرآن على تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس وتطهيرها , وإصلاح المجتمع من المفاسد والعمل على سد الذرائع للجرائم كلية , وما العقوبات التي وردت فيه إلا عقوبات صارمة , الغرض منها كف الناس عن الشر إن لم يثمر فيهم التهذيب وتجاوزوا حدهم بعد أن استوفوا حقوقهم.
فنحن حين نطالب بالعمل بالكتاب وسنة رسول الله لا نسعى من وراء ذلك إلى تطبيق الأحكام الواردة في القرآن فحسب , ولكننا نرجو أن يجعل القرآن منهاجا يسار عليه في الحياة يطبق بحذافيره.
وكان هذا حسبنا من كل دستور آخر لأن القرآن هو الدستور الكامل الشامل الذي لم يترك صغيرة وكبيرة في بناء الأمة إلا عالجها , تارة بالتفصيل , وتارة بالإجمال تاركا لها أن تمضي في التفاصيل على ما تقضيه مصالحها ولا تتعارض مع الأصول التي وضعها.