إن مما لا شك فيه أن الدستور يحدد شكل الدولة ونظام الحكم وحقوق المواطنين وعلاقة الدولة بالرعايا والسلطات الثلاث، السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وصلاحيات كل سلطة، كما يحدد نوع النظام الاقتصادي الذي ينظم الأمور الاقتصادية والمالية، يتم ذلك كله من خلال مواد قانونية إلزامية للجميع.
وقد وضع رحمه الله عشرين أصلاً من أصول الفهم نظمت نظام الحكم ومصادرة ورئيس الدولة وسلطته والحرية العلمية والتعبدية وحرية الرأي والخلاف في الرأي والاجتهاد وغير ذلك والأسس العقدية والتشريعية التي تقوم عليها الجماعة والدولة. ومنها مفهوم المنكر وإنكاره، والعرف المعتبر هو ما وافق الشرع الإسلامي والعرف الخاطئ ما خالفه وهو مرفوض، وختم هذه الأصول بالأصل العشرين فقرر أن العمل جزء من الإيمان وأن المؤمن القائم بالفرائض لا يُكفَّر بذنبٍ اقترفه.
ولقد اعتبر رحمه الله: أن هذه الأصول هي القواعد الدستورية للإخوان المسلمين، وهي مستمدة من كتاب الله تبارك وتعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى ضوء ذلك كان هتاف الإخوان المسلمين: القرآن دستورنا، أي هو الذي ينظم جميع شؤون حياتنا عقيدةً وشريعة ونظامَ حياة، وعليه فإن الدساتير الوضعية المخالفة كلياً أو جزئياً للقرآن الكريم وأحكامه ليست دساتير معتبرة في نظر الأستاذ البنا رحمه الله.
فقد قال رحمه الله بعد أن عرض الأصول العشرين: (وإذا علم الأخ المسلم دينه في هذه الأصول فقد عرف معنى هتافه دائماً: القرآن دستورنا والرسول قدوتنا).
انظر رسالة التعاليم – من مجموعة الرسائل – دار الأندلس ص11.
ومما ينبغي ذكره أن الأستاذ البنا رحمه الله لم يقل إن الدستور الوضعي سواء كان في مصر أو في غيرها هو دستور الإخوان المسلمين.
وقد انتقد رحمه الله الدساتير الوضعية في مصر وفي غيرها من حيث الصياغة وغموضها ودلالتها على الأحكام وما ترتب على ذلك من فساد، كما انتقد الدستور المصري من حيث التطبيق العملي.
أما نظام الانتخابات الذي ينص عليه الدستور فقد ذهب مع غيره من فقهاء القانون الدستوري من أن النظام الانتخابي لم يحقق الغرض المطلوب منه، فهو أوجد هيئة ناخبة لا يمكنها تحقيق الغرض من الانتخابات على الوجه المطلوب، وأنه لم يحقق تمثيل الأمة تمثيلاً صحيحاً، ولم يصل إلى إيجاد هيئة تعمل للصالح العام مجردة من كل قيد.
ويستأنس بالدراسة التي قدمها الدكتور سيد صبري في كتابه (مبادئ القانون الدستوري) ويؤكد قوله: (إن قرارات البرلمان المصري في أدواره المختلفة لا تعبر عن رأي الأمة، ولا عن رأي أكثريتها، ولا عن رأي أقلية محترمة من أبنائها ...
ثم يقول الأستاذ البنا رحمه الله: فكيف يقال بعد هذا إن ذلك تعبير عن رأي الأمة وتمثيل لها تمثيلاً صحيحاً ؟؟
انظر مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي – نظام الحكم من مجموعة الرسائل ص378-379.
ويقول رحمه الله بعد أن ساق قواعد النظام الإسلامي والنيابي معاً في مسؤولية الحاكم فماذا فعلنا في مصر؟ وقفنا في منتصف الطريق نصاً وتطبيقاً، وجاء دستورنا في هذا المعنى غامضاً مقتضباً غير واضح ولا مفصل، مع أنها أهم نقطة في تحديد لون الحياة النيابية والإسلامية التي نحياها.
ويختم قوله قائلاً: (ولا نظن أن فيها ما يكفي مطلقاً لحل أي مشكل من المشاكل التي أشرنا إليها، والمهم أن هذه النقطة وهي لب الأمر تحتاج إلى إيضاح واستقرار، وهي القاعدة الأولى من قواعد النظام الإسلامي أو النيابي على السواء، وبغير ذلك لا يمكن أن تستقيم الأمور أو تسلم).
انظر المرجع السابق 369-371