لقد اتضح لنا من دراستنا السابقة أن مجتمعاتنا كان لها دور بارز- بتناقضاتها واضطراب أوضاعها ومجافاتها للإسلام - في ولادة ظاهرة التطرف ونموها. والواجب عليها إزاء ذلك أن يكون لها دور في علاجها.
ويبدأ هذا الدور من نقطة مهمة، هي أن يعترف هذا المجتمع بانتمائه للإسلام، وما يقتضيه هذا الانتماء من التزام وسلوك، فالإسلام ليس مجرد دعوى تدعى، ولا شعار يرفع، ولا مجرد نص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام ، ثم تسير سفينة الحياة بعدها في خط يجافي الإسلام .
إن الإسلام منهج متكامل للحياة، يصبغها بصبغته الربانية، ويوجهها وجهته الأخلاقية، ويضع لها الإطار والمعالم والحدود التي تضبط سيرها، وتربطها بغاياتها، وتقيها الانحراف عن الجادة، أو السقوط في الحفر، أو الضياع في مفارق الطرقات.
لهذا كان الإسلام عقائد تقوم الفكر، وعبادات تطهر القلب، وأخلاقا تزكي النفس، وتشريعاً يقيم العدل، وآداباً تجمل الحياة.
ولا بد - لكي يكون المجتمع مسلماً حقاً - من الالتزام بالإسلام كله، ولا يكون كمجتمع بني إسرائيل الذين أخذوا ببعض أحكام التوراة، ولم يأخذوا ببعض، فقرعهم الله تعالى بقوله:
(( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدّنيا، ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب )) (البقرة: 85 ).
لا بد لكي يكون المجتمع مسلماً من الرضى بحكم الله ورسوله في كل شؤون الحياة: اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو فكرية. فهذا هو مقتضى عقد الإيمان ((فلا وربّöك لا يؤمنون حتّى يحكّöموك فيما شجر بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّöموا تسليماً )) (النساء: 65 ).
((إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون )) (النور: 51 ).
يجب على مجتمعاتنا أن تزيل هذا التناقض الصارخ القائم في حياتنا اليوم بين إيماننا بالإسلام عقيدة وشريعة من عند الله، وبين تجميدنا لأحكامه، وتعطيلنا لحدوده، وإغفالنا لتوجيهاته وآدابه، واستيرادنا لمذاهب وأنظمة من الغرب والشرق بديلاً عنه، وبعد ذلك نزعم أننا مسلمون!!