في هذه الأجواء ، وفي ظلّ غياب دولة الإسلام العظيم ولدت الدّعوة الإسلاميّة المعاصرة والتي كانت تدعو إلى تحرير البلاد من نير أي استعمارٍ أجنبي وإلى إعادة حكم الله في الأرض ، وما هي إلا حلقة من حلقات الدعوة التي بدأت منذ زمن أب الأنبياء – عليه السلام - ، إلا أنّها نشأت في أصعب الظروف وأعقدها .
واليوم وبعد أكثر من سبعين عاماً من نشأتها نجد أنّها أضحت مشروعاً نهضوياً تواجه مشروعاًَ كبيراً يقف على رأسه اليهود ويُدعم من القوى العظمى التي نجحت الصهيونية العالمية في اختراقها وتوجيهها .
في طريقك إلى هذه الدّعوة لا بدّ وأن تعلم أنّ التّدافع بين الحقّ والباطل سنّة أزلية ، لا تختلف إلا أشكاله وأساليبه ، وأنّه كان إلى بدايات القرن المنصرم آخذاً شكل المصادمة المباشرة بين أتباع الرسالات السّماويّة الثّلاث ، وكان يتطلبّ هذا من الدّعاة خصوصاً العلماء منهم معرفة واطّلاعاً على الدّيانات الأخرى ، ليردوا عن دينهم وليكسبوا له ، لذا كنت تجد في الدّاعية غير العالم باليهوديّة أوالنّصرانيّة خللاً كبيراً .
ولوحظ نشاطñ واضحñ موجّه من قبل المؤسسات اليهوديّة والنّصرانيّة لثني المسلمين عن دينهم بشتى الوسائل الممكنة ، كاستقطاب بعض المثقفين وتدريسهم وتنويرهم – كما يدّعون - ، أو إقامة المشاريع التعليمية أو الخيرية أو الطّبيّة ، والتي ما تزال إلى الآن منتشرة في بعض المدن العربيّة كجامعات ومستشفيات وجمعيات ومراكز وغير ذلك.
إلا أنّه مع انتشار حركات التّحرّر في البلاد العربية ، واحتدام التّنافس والاستقطاب بين المعسكرين الكبيرين آنذاك ، وجدنا أنّ المدافعة تحوّل شكلها من مواجهات دينية عقدية مباشرة مع غير المسلمين ، إلى حربٍ فكريةٍ ضروس داخل هذه الأمّة º إذ انتشرت الأحزاب والدّعوات ذات الأفكار والأيديولوجيّات المختلفة والتي كانت تنصّب نفسها نموذجاً للحكم وقيادة المجتمعات وكانت تنال من قدرة الإسلام على تغيير الأوضاع وقيادة الأمة وتحقيق آمالها ، مستقية أفكارها من مناهج الشرق والغرب مقتنعة أو ظانّة أنّها الأقدر على التّغيير وتحقيق مصالح المجتمعات ، وكان الدّعاة لا بدّ لهم من اطّلاع على تلك المناهج المنحرفة أيضاً ، حتى سقطت معظمها بحمد الله تعالى ، وتبيّن للأمّة أنّ دينها الوحيد القادر على قيادتها وتوحيدها ، و لكن بعد ردحٍ من الزمن ليس بالقصير .
أمّا اليوم فالمدافعة بين المشروع الإسلاميّ وطليعته الحركة الإسلاميّة من جهة ، و المشروع الغربي وطليعته الصّهيونية العالميّة من جهة أخرى ، إلا أنّ معركةً يقودها الغرب لا تستهدف – في ظاهرها - الإسلام مباشرة من حيث كونه ديناً ، بل تشكّك في تشريعاته وقدرتها على تحقيق الحياة الكريمة للنّاس ، وحفظ حقوقهم وحريّاتهم ، واحترام المرأة و المخالف ، ... وإلى غير ذلك . والدّعاة هنا مطالبون بفهم عميقٍ لدينهم على مستوى المقاصد والكليّات أوالأحكام والتّشريعات ، وتجلية مكامن العطاء الإسلاميّ على مدى التاريخ .... . ومع عظم المكتبة الإسلاميّة واستيعابها إلا أنّه ما تزال بعض المواضيع ينقصها التوضيح والتأليف خصوصاً فيما يوجّه للناشئة عموماً .