بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد
فهذا نداء من قلب كبير، ورجل عظيم، وجهه إلى حكام المسلمين يذكّöرهم- بإخلاص وصدق- بالواجبات التي في أعناقهم وحقوق الأمة عليهم.
وتقديم النصيحة لكل المسلمين -بما فيهم الحكام- واجب شرعي فالدين النصيحة... وهي لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والحاكم في الإسلام لا يقدَّس، ولكنه إن أدى حق الله عليه يكرم ويقدر، والفرق كبير بين التقديس والتقدير.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم، وهو نبي ورئيس دولة، لا يميزه شيء عن أي شخص، والقرآن الكريم واضح في هذا، يقول الحق سبحانه: ?قُلْ إöنَّمَا أَنَا بَشَرñ مöثْلُكُمْ يُوحَى إليّ? (فصلت: من الآية6).
دخل عليه أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال صلى الله عليه وسلم "هوّöن عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد".
وكان صلى الله عليه وسلم قدوة لغيره في توكيد المساواة بين الحكام والمحكومين. من ذلك أنه كان يطوف بالبيت، فأتى السقاية فقال اسقوني فقالوا: إن هذا يخوضه الناس، ولكننا نأتيك به من البيت، فقال: لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس.
وخرج -صلى الله عليه وسلم- أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر ثم قال: "أيها الناس. من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت منه مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي. فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقًا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس، ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولي".
وجاء خلفاء وحكام المسلمين من بعده- صلى الله عليه وسلم- فاهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر بعد أن بويع بالخلافة يقول من فوق المنبر: "أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني".
بل إن حكام المسلمين كانوا يشجعون المسلمين على بذل النصيحة لهم وتذكيرهم دائمًا، فهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان بينه وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ فقال عمر: دعه فليقلها لي، نöعم ما قال، لا خير فيكم إن لم تقولها لنا، ولا خير فينا إذا لمن نقبلها منكم).
من هذه المنطلقات، ومن مصدر أن الأمة هي الأصل والحكام بمثابة النُّوَّاب عنها، ومن حقها أن تنصحهم بإخلاص، وأن تذكرهم وأن تردهم إلى الصواب كلما أخطأوا، من هذه المعاني كلها انطلق الأستاذ عمر- رحمه الله- يوجه نصائحه إلى حكام المسلمين جميعًا يذكرهم بحق الأمة عليهم، وضرورة أن يقوموا بقيادتها إلى طاعة الله، وضرورة إصلاحها وتربيتها تربية إسلامية صحيحة، وضرورة صيانتها من العبث والفساد.
ومن واجبات الإمام:
1- أن يدير شئون الأمة في حدود الشورى، فهي فريضة على المسلمين.
2- وأن يحفظ دينها على الأصول التي أجمع عليها السلف.
3- وإقامة العدل بين الناس جميعًا بصرف النظر عن ديانتهم أو لونهم.
4- وأن ينشر الأمن والأمان في داخل الأمة، وأن يقيم الحدودº لصيانة محارم الله.
5- حماية الثغور وتحصينها، وحماية الأمن الخارجي.
6- جهاد الأعداء الذين عاندوا بعد الدعوة حتى يسلموا أو يدخلوا في الذمة.
7- اختيار الأمناء في الأعمال الخاصة بالمسلمين وغيرهم.
8- أن يتابع بنفسه الأمور وأن يشرف على الأموال. وأن يحرس الملة.
وإن الذي يعرف خطر هذا الأمر هو الذي يشفق على من يتولاه. ومما يروى عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوازن، فتخلف بشر فلقيه عمر، فقال ما خلفك؟، أما لنا سمع وطاعة؟ قال بلى ولكني سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول "من ولي شيئًا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة، حتى يوقف على جسر جهنم. فإن كان محسنًا نجا، وإن كان مسيئًا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفًا".
فخرج عمر كئيبًا محزونًا فلقيه أبو ذر قال مالي أراك كئيبًا محزونًا، قال: مالي لا أكون كئيبًا محزونًا، وقد سمعت بشر بن عاصم يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول كذا، وذكر الحديث، قال أبو ذر أو ما سمعته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ قال: لا. قال: أشهد أنى سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول "من ولي أحدًا من المسلمين، أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنًا نجا، وإن كان مسيئًا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفًا وهي سوداء مظلمة" فأي الحديثين أوجع لقلبك؟!، قال كلاهما قد أوجع قلبي، فمن يأخدها بما فيها؟ قال أبو ذر: من سلت – أي جدع أنفه –لله أنفه وألصق خده بالأرض، أما إنا لا نعلم إلا خيرًا، وعسى إن ولَّيتها من لا يعدل فيها، ألا تنجو من إثمها.
ما أخطر هذه المسئولية، وما أحرى حكام المسلمين أن يعودوا إلى الله اليوم قبل الغد.
إن عمر -رضي الله عنه- الذي أوجع قلبه هذا الحديث هو الذي كان يقول "لو عثرت بغلة على شط الفرات. لظننت أن الله سائلي عنها يوم القيامة".
جزى الله مرشدنا كل خير عن كل كلمة وجهها، وكل نصيحة تقدم بها للحاكم والمحكوم، فالهدف أعظم هدف، والغاية من أسمى الغايات، وصلاح الجميع هدف مطلوب، وغاية مرجوَّة.
?إöنْ أُرöيدُ إöلاَّ الإöصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفöيقöي إöلاَّ بöاللهö عَلَيْهö تَوَكَّلْتُ وَإöلَيْهö أُنöيبُ?
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.
(الناشر)