كانت عالمية وعامة لكونها ذات صبغة إنسانية في تشريعها ومبادئها ، فهي رحمة للعالمين ، وهي هداية للناس كافة ، وهي منهاج للبشرية عامة .
فهذه الدعوة الإسلامية ليست تشريعاً لجنس خاص من البشر ، أو لإقليم معين من الأرض ، أو لفئة خاصة من الناس º بل هي لكل إنسان في الوجود بغض النظر عن لونه أو جنسه أو لغته أو أرضه . فلا عنصرية في هذه الدعوة ، ولا عصبية في هذا التشريع ، ولا طبقية في هذا الإسلام ، وإنما الناس سواء كأسنان المشط ، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى .
والشعار العام في هذه الصبغة الإنسانية لدعوة الإسلام قوله تبارك وتعالى : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}
وهذه العالمية للدعوة الإسلامية قد بينها الله جل جلاله في أكثر من آية في كتاب الله :
قال تعالى في سورة الأنبياء : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} .
وقال في سورة سبأ : {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} .
وقال في سورة الأعراف : {قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} .
# وهذه العالمية للدعوة أكدها النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة :
روى الشيخان عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت للناس عامة" .
وثبت تاريخياً - عن طريق الرواية الصحيحة - أنه عليه الصلاة والسلام أرسل إلى الملوك والرؤساء في عصره
كالنجاشي ، وكسرى ، وقيصر ، والمقوقس … كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وكان شعاره في ذلك :
" أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك أثم الأريسيين (أي الفلاحين والعامة) " .
فلو لم تكن دعوته عليه الصلاة والسلام عالمية لما أرسل إلى ملوك الأرض يدعوهم بدعاية الإسلام ، ويأمرهم باعتناق هذا الدين .
ومن المؤيدات لهذه العالمية : تحميل القرآن الكريم أمة الإسلام في كل زمان ومكان أمانة التبليغ والدعوة في آفاق الدنيا ، ومجاهل الأرض وأصناف الأمم .
وهذا التحميل لأمانة التبليغ والدعوة بينه الله عز وجل في أكثر من آية في كتاب الله سبحانه:
قال تعالى في سورة آل عمران : {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..} .
وقال في سورة البقرة : {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} .
وقال في سورة يوسف : {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني .. }.
فانطلاقاً من هذه الأوامر الربانية ، والإرشادات القرآنية º انطلق المسلمون في آفاق الأرض ، وأرجاء الدنيا ، يبلغون رسالات الله ، ويدعون إلى الله ، ويعلنون التوحيد ، وينشرون الإسلام .
وشعارهم في ذلك :
(ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام} .
(وهذه الميزة العالمية للدعوة الإسلامية إنما هي أثر من آثار الصبغة الربانية في هذا التشريع ، فلو كان واضعه فرداً أو فئة من الناس ، لتعصبت -بوعي أو بلا وعي- لجنسها وطبقتها ومصالحها . ولكن المشرع هنا -كما هو معلوم- رب الناس ، إله الناس ، فهم جميعاً عباده ، لا فضل لفرد منهم على فرد ، ولا لفئة على أخرى بحكم الخلق والنشأة) .
ولعل المعقولية في هذه العالمية -كما سبق ذكره- لتحقيق وحدة التشريع العالمي لأمم الأرض ، ليتم لها الاستقرار والسلام والمحبة ، ولتنصبغ بالصبغة الربانية الخالصة .
ألا فليدرك شباب الدعوة هذه المزايا العالمية لدعوة الإسلام ؟!!..
* * * * * * * * * *