أولاً: إصلاح نفسية الفرد ليكون خاضعاً لله في حكمه وأمره، محبًّا للناس في عسره ويسره، عاملاً للخير في منشطه ومكرهه، بعيداً عن الأذى في رضاه وغضبه: ?واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون? [سورة الحج: 77]، "والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، "لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه"، "المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم".
ثانياً: إقامه نظام الأسرة على حب تسكن إليه النفس، وسلم لا تشوبه محن ولا نزاع، وحقوق يتوازن بعضها مع بعض، فلا يجور كبير ولا يتمرد صغير، ولا يستبد رجل ولا تمتهن امرأة، ولا يهمل أب، ولا يعقّ ولد ?وصاحبهما في الدنيا معروفاً? [سورة لقمان: 15]، ?قوا أفسكم وأهليكم ناراً? [سورة التحريم: 06]، ?ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة? [سورة البقرة: 228].
ثالثاً: بناء المجتمع على علم يملأ العقول جميعاً: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وفضيلة تصون الحرمات وتكبح جماح الشهوات ?قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون¯ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ...? [سورة النور: 30-31]، وصحة تفيض بها الأجسام جميعاً: "الطهور شطر الإيمان"، "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل"، "إن لجسدك عليك حقاً"، "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، وعدالة تحقق للإنسان كرامته التي أرادها الله له ?ولقد كرمنا بني ءادم? [سورة الإسراء: 70] وهي الكرامة التي تضمن له حق الحياة ?ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق? [سورة الإسراء: 33] وحق العمل: "إن أفضل الكسب كسب الرجل من يده"، وحق العيش الكريم الذي يتوفر فيه اللباس اللائق والطعام اللائق والمسكن اللائق والكرامة المعنوية اللائقة ?وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل? [سورة الإسراء: 26]، "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به"، "من كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس"، "من ولي لنا عملاً وليست له زوجة فليتخذ له زوجة, أو ليست له دابة فليتخذ له دابة، أو ليس له مسكن فليتخذ له مسكناً"، وقانون يقوم بين الناس بالقسط ويسوّي بينهم في الحقوق والواجبات ?إن أكرمكم عند الله أتقاكم? [سورة الحجرات: 13]، "الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".
رابعاً: إقامة حكومة في المجتمع تتصف بأنها أجيرة وموجهة وحارسة:
- أما إنها أجيرة، فلأنها تقوم بإرادة الشعب، ?وأمرهم شورى بينهم? [سورة الشورى: 37] وتعمل لخير مصلحته وكرامته "من استعمل رجلاً من عصابة (جماعة) وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"، "من ولي شيئاً من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حوائجهم".
- وأما أنها موجهة فلأن مهمتها أن توجه الشارد وتهدي الضال وتوقظ النائم وتنشط العامل وتيسر لشعبها سبل الخير والفضيلة والسلامة: "الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته".
- وأما أنها حارسة فلأن من واجبها أن لا تسمح بظلم في المجتمع تتقطع به الأرحام ويتناكر به الجيران، ويتعادى بسببه أبناء الأمة ويتقاتلون "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" كما أن من واجبها أن لا تسمح بعدوان خارجي على أمتها في عقائدها وبلادها وكرامتها ?وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة? [سورة الأنفال: 61].
بهذا عمل الإسلام على إقامة السلم في داخل المجتمع، بتربية النفوس على الخلق الكريم والتعاون الإنساني الجميل، وبمنع كل ما يؤدي إلى اضطراب الأمن واختلال النظم واشتجار العداوات، وثورة النفوس والأفكار، وهذا هو الأساس الصحيح للدعوة إلى السلم ومنع الحروب والفتن.
إن النفس التي تطمئن إلى حقها، وتبتعد عما يثير أعصابها، هي نفس لا تعرف للحرب لذة، ولا تستسيغ للعدوان طعماً، أما النفوس التي أمضّها الظلم، وأرّقها القلق، أما الأعصاب التي تعيش في جو مضطرب لا تستقيم فيه الأوضاع، أو في جو تستثار فيه الغرائز وتوقظ الشهوات، فهي هي التي تستجيب للثورة وتفكر في الفتنة، إن المحروم والجائع والمظلوم والمضطهد... هؤلاء هم وقود كل حرب تقع، ولسان كل ثورة تشتعل!.
فالسلم الذي أقامه الإسلام سلم وقائي، يقي المجتمع من عوامل الحروب والفتن قبل أن تقع، بحيث لا يترك للفتنة كوة تنفذ منها إلى كيان الأمة فتثير أعصابها للشر، وتعرّض أمنها واستقرارها وأرضها للدمار، ثم هو سلم إيجابي، لا يكتفي بأن يمنع وسائل الحرب، بل يزرع وسائل الاستقرار والحب، حتى يجد الناس طعم السلام طعماً سائغاً لذة للشاربين.