أما السلم الذي دعا إليه الإسلام خارج حدود الدولة بعد أن هيأ له الأمة المسالمة كما رأيتم، فهو يتلخص في القواعد الآتية:
أولاًَ: الأصل في علائقنا مع الشعوب جميعاً هو المسالمة والمهادنة: ?يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة? [سورة البقرة: 208].
ثانياً: وهذا السلم سلم متعاون بنَّاء لا سلم منكمش منعزل ?وتعاونوا على البر والتقوى? [سورة المائدة: 02] ?لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين? [سورة الممتحنة: 08].
ثالثاً: وهو تعاون يقوم على احترام عقائد الشعوب وحرياتها وأموالها وكراماتها ?لا إكراه في الدين? [سورة البقرة: 256]، "متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، ?ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل? [سورة البقرة: 188]، ?ولقد كرمنا بني ءادم? [سورة الإسراء: 70].
رابعاً: وهو تعاون يحمل على الاستفادة من كل ما عند الشعوب من علم وصناعة وحكمة ?فبشر عباد ¯ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب? [سورة الزمر: 17-18]، "الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها"º ولما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه إلى ملوك عصره وأمرائه قيل له: إن الملوك لا تقبل كتاباً إلا إذا كان مختوماً، فأمر أن يصنع له خاتم يختم به كتبه، ولما حاصرت الأحزاب المدينة أخبر سلمان رسول الله عليه الصلاة والسلام أن من عادة سكان المدن أن يحفروا خندقاً حول مدنهم يقيها غارات المعتدين، فأمر رسول الله أن يحفر الخندق حول المدينة وعمل في حفر الخندق بنفسه، فهذا صنع شريعة تضع أسس الاستفادة من تجارب الأمم وعلومها موضع الاعتبار في علائقها مع الناس...
هذه أيها السادة هي الخطوط الكبرى لنظام السلم الذي نادى به الإسلام داخل الدولة وخارجها.