نحن والموت على أصناف أربعة، صنف يهتف مع الشاعر الاحمق:
ما مضى فات والمؤمَّل غيبñ ولك الساعة التي أنت فيها!!
لا يفكر في ماض، ولا يعد لمقبل. يظن الامس قد فني، والغد لا يأتي، يقول: (ما مضى فات) ولا والله ما فات، ولكن قيد علينا حسنه وسيئه، في كتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها. و (المؤمل غيب)، ولكنه غيب عن الحس، حاضر في النفس موجود عند الله، آت لا شك فيه، وهذا الصنف شر الثلاثة، وهو الذي لا يذكر الموت ولا يفكر فيه.
وصنف، يذكر الموت، ولكن كذكر الشاعر الفارسي، عمر الخيام الذي فتن بباطله الناس، يقول: اذا كان الموت حقاً لا شك فيه، وكانت الحياة قصيرة لا بقاء لها، فلنملأها بالعشق والهيام. واذا كانت قد جبلت على المكاره والآلام، فلنهرب منها إلى كأس المدام، فنمضي العمر في شعر... وسكر... وعهر...
وصنف يذكر الموت ولكن كذكر أبي العتاهية، ملأ بذكر الموت بيانه، وشغل به لسانه، ولكنه لا يذكر (الا قليلا) ما بعد الموت. فكأنه يقول مع القائل: "رأيت الموت غاية كل حي". والقائل الآخر: "ان تحت الرجام نوماً طويلاً".
وأهل الحق الذين عرفوا أنه ليس غاية ولكنه البداية، وما هو بنوم ولكنه يقظة من النوم، (الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا) وعرفوا ان وراء الموت حياة أطول، حياة لا تكاد تنتهي، اما أن يكون فيها النعيم المقيم، وأما أن يكون فيها العذاب الأليم. وهذا هو الصنف الرابع، صنف المهتدين المؤمنين.